في تلك الأيام، حين كانت مملكة آرام قوةً ترهب الممالك من حولها، كان لقائد جيش الملك رجلاً اسمه نُعمان. لم تكن منصبه الرفيع ولا انتصاراته الكثيرة هي ما يشغله، بل شيءٌ أخفقه وأتعبه، شيئاً حمله في جلده طوال سنوات: برصٌ ظاهر، يلوح كغيمة شاحبة على سمرة وجهه وقوة جسده.
كان نُعمان رجلاً يهابونه الجنود، وتُحترم كلمته في بلاط الملك في دمشق. لكن في الخفاء، حين يخلو لنفسه، كان يلمس بيديه الخشنتين تلك البقع الباهتة على ذراعه، فيشعر بالمرارة تدب في قلبه كالسم. وكانت زوجته، في مساءات كثيرة، تراه يحدق في فراغ الغرفة، وقد ابتلعت الأفكارُ بريقه.
وفي بيتهم جارية صغيرة من أرض إسرائيل، سباها غزاةٌ في إحدى الغارات. كانت تلك الجارية ترقب سيدها، وتشاهد سحنة الحزن التي لا تفارقه رغم علو شأنه. وذات يوم، بينما كانت تخدم سيدتها، غلبها إيمان طفولي عميق، فقالت بصوت خافت لكنه واضح: “ليت سيدي يكون عند النبي الذي في السامرة! فإنه كان يطلقه من برصه.”
سقطت الكلمات كبذرة في تربة قلبه اليائس. فأسرع نُعمان إلى سيده الملك، وحكى له ما قالته الجارية الصغيرة. ولم يتردد ملك آرام، فقد كان يحب قائده. فقال: “اذهب. سأرسل معك كتاباً إلى ملك إسرائيل.” فجهز نُعمان مركباته وخيله، وحمل معه هدايا ثمينة لا تُحصى: عشرة وزنات من الفضة، وستة آلاف شاقل من الذهب، وعشرة حُلل فاخرة. وارتحل موكبه الفخم عبر الجبال والوديان، حتى وصل إلى السامرة، وقدامه كتاب الملك.
ولما قرأ ملك إسرائيل الكتاب الذي جاء فيه: “والآن، قد أرسلت إليك نُعمان عبدي فاطلقه من برصه”، شق ثيابه وقال: “هل أنا إله لأميت وأحيي، حتى يُرسل هذا إليَّ لأنطلق رجلاً من برصه؟ إنما إنما يطلب علَّة ضدي!” وانتشر القلق في البلاط.
فسمع أليشع النبي، رجل الله، بالأمر. فأرسل إلى الملك يقول: “لماذا شققت ثيابك؟ ليأتِ الآن الرجل إليَّ، فيعلم أن هناك نبياً في إسرائيل.”
فجاء نُعمان بمركباته وخيله وجنده، ووقف بكل بهائه وبؤسه معاً على باب بيت أليشع المتواضع. لكن النبي لم يخرج للقائه. بل أرسل إليه رسولاً يقول: “اذهب واغتسل سبع مرات في نهر الأردن، فيرجع لحمك إليك وتطهر.”
فغضب نُعمان غضباً عظيماً، وانصرف وهو يقول: “هأنذا قد ظننت أنه سيخرج إليَّ ويقف، ويُسمي اسم الرب إلهه، ويحرك يده على الموضع، فيُطهر الأبرص. أما أنهار دمشق، الفرات وباردها، أفلا هي خير من جميع مياه إسرائيل؟ أفلا أغتسل فيها فأطهر؟” فدار وذهب بمظلمته.
لكن خدمه، الذين رأوا آلامه الطويلة، تقدموا إليه بكلام الحكمة الهادئ، وقالوا: “يا أبانا، لو قال لك النبي أمراً عظيماً، أما كنتَ تفعله؟ فكم بالحري إذ قال لك: اغتسل واطهر.”
فتوقف نُعمان في طريقه. كلمات عبيده البسيطة اخترقت كبرياء القائد. نزل عن مركبته، وخلع عن جسده دروع البطولة الظاهرة، وذهب مع خدمه إلى نهر الأردن المتواضع، ذلك النهر الضيق الذي لا يقارَب عظمة أنهار بلاده.
ونزل إلى الماء مرة. الماء بارد، والطين يلتصق بقدميه. صعد ولم يتغير شيء. نزل ثانية وثالثة. كل مرة يرفع ذراعيه لينظر، فيرى البرص باقياً. واليأس يبدأ بالتسلل. لكنه واصل، رابعة، خامسة، سادسة… وفي المرة السابعة، حين غمر جسده كله في مياه النهر وخرج، نظر إلى ذراعه. فإذا الجلد كجلد صبي صغير، نقيّاً، وردياً، حياً. لحم جديد لم يعرفه منذ سنوات طويلة.
فارتعش الرجل من الأعماق. ليس من البرد، بل من هول النعمة التي نزلت عليه دون استحقاق. عاد هو وجميع رجاله إلى بيت أليشع، ووقف هذه المرة، ليس على الباب، بل في حضرة النبي، وقال: “الآن قد علمت أنه ليس إله في كل الأرض إلا في إسرائيل.” وأراد أن يُعطيه الهدايا كلها، لكن أليشع أبى وقال: “حيٌّ هو الرب الذي أقف أمامه، لا آخذ شيئاً.”
وحين ألحّ عليه نُعمان، أقسم النبي أن لا يأخذ. فاضطر القائد أن يحمل هداياه معه مرة أخرى. ثم طلب أمراً أخيراً: أن يحمل معه من تراب أرض إسرائيل قدر بغلين، ليبني عليه مذبحاً للرب على أرض آرام. ووعد أن لا يعبد بعد اليوم إلا الإله الحي. ثم انحنى، الرجل العظيم، بانحناءة عميقة، وعاد إلى بلاده بطاهر الجسد، ومتغير القلب.
أما جيحزي، خادم أليشع، فلم يرق له هذا العطاء المجاني. فخرج خلف نُعمان مختلقاً حكاية عن فقراء جاءوا إلى النبي، وطلب منه وزنتَي فضة وحلتين من الثياب. فأعطاه نُعمان ضعف ما طلب بفرح.
ولما عاد جيحزي ووقف أمام سيده، سأله أليشع: “من أين جئت يا جيحزي؟” فقال: “لم يذهب عبدك إلى هنا ولا إلى هناك.” لكن النبي، بعينيه اللتين تعرفان ما في الأعماق، قال: “أليس قلبي قد ذهب معك؟ هذا وقت لأخذ فضة وثياب؟ فبرص نُعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد.” فخرج جيحزي من أمامه أبرص كالثلج.
وهكذا، في نهر التواضع، وجد القائد العظيم شفاءً لم يجده في أنهار قوته. وفي رفض النعمة المجانية، وجد الخادم لعنةً لم يكن يحسب حسابها. بقي الدرس معلقاً في الهواء: أن يد الله لا تشتريها الكنوز، ولا تدركها المظاهر، بل تنحني لتمسكها في مياه بسيطة، حين يتخلى القلب عن كبريائه، ويغتسل بإيمان.




