الكتاب المقدس

دموع على حجارة أورشليم

كان الجو في قصر شوشن بارداً ذلك المساء، رغم أن شمس الخريف كانت قد غربت للتو تاركة خلفها حمرة كالدم فوق أسطح المدينة. جلستُ على كرسي من خشب الأرز، أحد تلك الكراسي التي أهداها الملك للمقربين، لكن خشبها الصلب لم يمنحني راحة. كانت يداي مرتخيتين على ذراعي الكرسي، لكن داخلي كان يعصف كعاصفة في البحر المتوسط.

أتى إليّ حناني، أحد إخوتي، مع رجال من يهوذا. رأيت الغبار على أرديتهم قبل أن أسمع أصواتهم. رائحة الطريق الطويل كانت تفوح منهم، رائحة العرق والتراب والشمس. جلسوا أمامي، وأخذوا يشربون الماء بشراهة. لم يتكلموا في البداية، وكأن كلماتهم ثقيلة جداً عليهم. ثم بدأ حناني يتحدث، وصوته خشن كحجر الصوان.

“السبي الذي بقي، الذين بقوا هناك في البلاد من بعد السبي…” توقف وكأنه يبحث عن كلمات أقل إيلاماً فلم يجد. “هم في مذلة عظيمة. وسور أورشليم منهدم، وأبوابها محرقة بالنار.”

سمعتُ كلماته، لكنني لم أستوعبها في البداية. كانت تصلني كصوت من مكان بعيد جداً. ثم بدأت الصور تتشكل في رأسي: الحجارة المتناثرة، الأبواب المحترقة التي كانت من خشب السرو، الغبار الذي يعلو كل شيء. مدينة داود وسليمان… رماد.

لم أسأل أكثر. شكرتهم وأرسلتهم ليستريحوا. بقيت جالساً في مكاني. مرت ساعات، أو ربما دقائق فقط، لا أدري. كان الخادم قد دخل وأوقد المصابيح، وظللت أرى النار تتأرجح داخل القنينة الزجاجية. كل شيء حولي كان ينطق بالثبات والقوة: الجدران السميكة، السجاد الفارسي الغالي، أصوات الحراس في الممرات. لكن كل هذا صار فجأة بلا معنى، كسراب في صحراء.

قمتُ أخيراً. شعرت كأن رجليّ من حجر. مشيت إلى الشرفة التي تطل على الجنائن. هواء الليل كان بارداَ الآن، حاملاً عبق زهر الليمون. في الأفق، كانت نجوم الصحراء تتلألأ بلا اكتراث. بكيت. لم تكن دموعاً حارة تندفع، بل كانت تنساب بصمت، مذابة بكل ما في قلبي من مرارة. أياماً بل جلست على الأرض، لا على الكرسي. التراب الذي تحت البلاط كان يلمس ثيابي الفاخرة. رفعت يديّ، ولم تكن صلاتي منمقة أو مرتبة. كانت كلمات مكسورة، حشرجات في الظلام.

“آه يا رب، إله السماء، العظيم المخوف، الحافظ العهد والرحمة لمحبيه وحافظي وصاياه.”

صوتي كان يكاد يختنق. تذكرت وجه أبي، وهو يحدثني عن الهيكل وأنا طفل صغير. كان يصف صوت اللاويين وهم يترنمون، ورائحة البخور في قدس الأقداس. كل ذلك الآن… أتراب محروقة.

“أصغ يا رب أذنك، وافتح عينيك لتسمع صلاة عبدك.”

اعترفت. لم أعترف فقط عن شعبي، بل عن نفسي. أنا الذي عشت في رخاء القصر، أنا الذي نسيت إلى حد ما. ذكرت وصايا موسى، وكيف حذرنا من التشتت إذا عصينا. الكلمات كانت تأتي من أعماق ذاكرتي، من تلاوات الطفولة، من صلوات الأجداد في زوايا البيوت عندما كان الإيمان سراً.

“هم عبيدك وشعبك الذين افتديت بقوتك العظيمة ويدك الشديدة.”

طلبت. لم أطلب فقط العودة أو إعادة البناء. طلبت الرحمة. طلبت أن يذكر الرب ذلك الرجل الذي يقف الآن في قصر ملك فارس، خادم الملك، لكن قلبه مع حجارة أورشليم الباردة تحت النجوم.

بقيت على حالتي تلك أياماً. امتنعت عن الطعام، ليس لأنني أردت أن أعاقب نفسي، بل لأنني ببساطة لم أكن أشعر بالجوع. كان الخبز الفارسي الأبيض كالتراب في فمي. كان الخمر كالماء المر. كان كل ما حولي يذكرني بأنني في بلد غريب، وأن جذوري هناك، بين تلك الحجارة المحطمة.

وفي صباح اليوم الثالث، بينما كنت أغسل وجهي، نظرت إلى الماء في الوعاء النحاسي. رأيت انعكاس عينيَّ، وكانت فيهما نار جديدة. لم تكن نار اليأس، بل كانت نار قرار. كنت أعرف ما عليّ فعله. سأذهب إلى الملك. ليس غداً، بل حين يحين الوقت المناسب. سأخاطر بكل شيء: بمنصبي، برخائي، ربما بحياتي.

لكن قبل ذلك، كان عليّ أن أعد قلبي. لأن البناء لا يبدأ بالحجارة، بل يبدأ هنا، في هذا العمق الذي صار بين الضلوع، حيث اختلطت دموعي بصلوات الأجداد. حيث تذكرت أن الرب، حتى في غربتنا، يبقى إله السماء والأرض. وأن الأبواب المحروقة قد تشعل، في النهاية، ناراً أخرى في القلب… نار عودة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *