كانت ريح خفيفة تمر بين أعمدة الهيكل، حاملةً عبق البخور المختلط برائحة الخشب القديم والزيت. جلَس آسا الملك على كرسيه، ليس في بهو العرش بل في الساحة الخارجية، حيث يبدو وجهه تحت أشعة الشمس المتوسطة في السماء. كانت هُدنة قد سادت المملكة بعد أن ردّ الرب عنهم جيش زارح الكوشي، لكن السلام لم يدخل قلب الملك تماماً. كان هناك قلق ما، كظل خفي، يلوح في عينيه وهو ينظر إلى الشعب الآتي إلى أورشليم.
وفي تلك الأيام، بينما كان الكهنة يعدّون الذبائح، وقف رجل في الساحة. لم يكن بلباس فاخر، بل برداء من الصوف الخشن، لكن عينيه تشعان بنور عميق. كان عزريا بن عوديد، وقد أتاه روح الرب. تقدم نحو الملك، وصوته حينما تكلم لم يكن عالياً، لكنه اخترق الضجيج الخافت كالسيف.
“اسمعني يا آسا، وكل يهوذا وبنيامين.” ابتدأ كلامه، وكانت الساحة قد أخذت في السكون. “الرب معكم ما دمتم معه. وإن تطلبوه يوجد لديكم. وإن تتركوه يترككم.”
سكت لحظة، والنظرات تتجه إليه. ثم واصل، وكلماته ترسم صوراً من الماضي البعيد: “أيام كثيرة مرت على إسرائيل بلا إله حقيقي، بلا كاهن معلم، بلا شريعة. تضطرب الأمة وتتقلب من شدة إلى شدة، لأنها تركت ينبوع المياه الحية. كل من يخرج ويَدخل لا يكون له سلام، بل تقع مظالم عظيمة على ساكني الأرض.”
كانت كلماته كالمطر على أرض عطشى. تذكر الشيوخ أيام القضاة، حين كان كل واحد يعمل ما يحسن في عينيه، وتذكروا الهرج والمرج. وأما آسا، فبدا كما لو أن حجاباً قد انزاح عن قلبه. نفَس الصعداء كان محسوساً حوله.
ثم رفع عزريا صوته قليلاً، والوعد يلمع في كلامه: “أما أنتم فتشددوا، ولا تضعف أيديكم، لأن هناك أجراً لعملكم.”
ما أن انتهى النبي من كلامه حتى نهض آسا، وكأن قوة جديدة دبت فيه. لم يكن رد فعله مجرد إيماءة أو كلمة شكر عابرة. شعر بضرورة فعل شيء ملموس، شيء يجسد التزام المملكة من جديد بالعهد. فأمر مناديه أن يجمعوا الشعب من جميع أرض يهوذا ومن بنيامين، ومن الغرباء الذين نزلوا معهم من أفرايم ومنسّى وشمعون، لأن كثيرين من إسرائيل قد انحدروا إليه لما رأوا أن الرب إلهه معه.
وجاءوا، حشوداً لا تُحصى، في الشهر الثالث من السنة. تجمعوا في أورشليم، ليس كسائر الأعياد، بل كانت هناك نية في الهواء، رغبة في التجديد. وقف آسا أمامهم جميعاً، وأعاد عليهم كلام عزريا، ثم أعلن بقلب ملتهب: “نحن نعود. نعود إلى الرب إله آبائنا، بكل قلوبنا وبكل أنفسنا.”
ثم كانت لحظة لم تُنسَ في سجلات المملكة. ذبحوا للرب في ذلك اليوم من الغنيمة التي أتوا بها، سبع مئات من البقر وسبعة آلاف من الغنم. وكانت الذبائح كثيرة جداً حتى أن الدماء سالت على المذبح كأنهار صغيرة، وارتفع دخان المحرقة سحابة كثيفة تملأ الأفق، ورائحة الرضا تفوح في كل مكان.
وفي حرارة تلك اللحظة، قطعوا عهداً. ليس مجرد وعد عابر، بل عهداً صريحاً يُنادي به كل كبير وصغير في يهوذا: أن يطلبوا الرب إله آبائهم بكل قلبهم وبكل نفسهم. ورفعوا أصواتهم بالأبواق والهتاف، حتى ارتجت أسوار المدينة من فرط الفرح. وكان ذلك الفرح فرحاً عميقاً، لأنه جاء بعد اعتراف، وبعد توبة، وبعد قرار جماعي بالعودة.
ولم يكتفوا بالهتاف. ففي أيام الشهر التالي، تجول رجال آسا في كل أرض يهوذا، من جبرون إلى جبال أفرايم، يقلعون التماثيل من على التلال، ويكسرون الأنصاب في كل بستان، ويهدمون المذابح العالية التي كانت قد علت في أيام الشقاق. حتى أمهات الملك، مع أنها جدة له، لم تنج من قرار التطهير. لأنها كانت قد عملت تمثالاً لسارية رجس في الوادي، فأزاله آسا وكسره وحرقه في وادي قدرون، حتى صار رماداً يذروه الريح.
ثم جاء اليوم الذي أمر فيه آسا بتجديد مذبح الرب الواقع في الرواق الأمامي للهيكل. وجاء الشعب بكثرة يقدمون باكورات حنطتهم وخمرهم وزيتهم، وكل ما نذروه من ذهب وفضة. وأدخلوا الأشياء المقدسة إلى بيت الله، حتى امتلأت المخازن، وكانت بركة محسوسة تلامس كل عمل أيديهم.
وانتهى اليوم بسلام لم تعرفه المملكة منذ سنوات. لا سلام الهدنة المؤقتة، بل سلام العهد. سلام القلب الواثق الذي يعرف أن الرب معه. ونام آسا في تلك الليلة، ولأول مرة منذ زمن طويل، نومًا هادئًا بلا كوابيس الحروب أو هموم الملك. لأن المملكة، ولو لفترة، كانت قد وجدت طريقها إلى النبع. وكان ذلك كافياً.




