كان الرجل يجلس في ظل شجرة بطم عتيقة، تئن أغصانها تحت وطأة ريح شرقية حارة. كانت عيناه تتبعان خطوطاً وهمية على الأرض اليابسة، كمن يقرأ سفراً مختوماً. في صدره صخرة، وفي حلقه غصة، وفي جوفه عطشٌ لا ترويه مياه الآبار. سبعة أشهر وهو يحمل سره كجمرة بين ضلوعه، يهرب من صوته الداخلي كما يهرب الغزال من صوت الصياد.
كان يذكر تلك الليلة جيداً. ليلة كان فيها القمر بدراً أبيض، يغسل أطراف القرية بحلبته الفضية. هناك، عند حافة الوادي، حيث تنبت شجرة العوسج وحيدة، أقدم على فعلته. لم تكن جريمة في عيون الناس، بل مجرد صفقة تجارية أودت بأسرة فقيرة إلى الجوع. ولكن في عينيه، كانت جريمة ضد السماء ذاتها. منذ ذلك اليوم، بدأ جسده يتهاوى. كأن ناراً خفية تأكل عظامه. في الليل، كان يتقلب على فراشه كأنما ينام على جمر. في النهار، كانت خطواته ثقيلة، كأنما يجرّ سلاسل من حديد.
قالوا له: “ربما أصابك عين”. فزار العرافين. قالوا: “ربما سحرت”. فاشترى التعاويذ. ولكن العبء لم يخف. بل زاد، حتى صار يحسّ بثقل كجبل يملأ حجرته الضيقة. ذات ظهيرة، بينما كان يحاول أن يغفو تحت شجرة التين، سمع صوتاً داخلياً خافتاً، كهمسة من بعيد: “ما دمت صامتاً، بليت عظامك، وتحول نهارك إلى نوح”.
قام فجأة، وكأن صاعقة مسّت قلبه. خرج من بيته مسرعاً، لا يعرف وجهته. مشى عبر الحقول اليابسة، حتى وصل إلى مكان خلاء، حيث لا يسمع إلا حفيف الشوك ونداء الغربان. هناك، سقط على ركبتيه. لأول مرة منذ سبعة أشهر، رفع عينيه إلى السماء. لم يقل كلمات منمقة، لم يقرأ صلاة مكتوبة. انفتح فمه، وانهمرت الكلمات كسيل جارف، معترفاً بكل شيء، غير مخفٍ شيئاً، كطفل يبكي بين يدي أبيه.
“أخطأت.. أخطأت يا رب..”
وبينما كانت كلمات الاعتراف تخرج من شفتيه الجافتين، شعر بشيء غريب. كأن حجارةً كانت مكدسة على صدره تتدحرج واحدة تلو الأخرى. كأن شمساً دافئة تشرق في مكان مظلم داخل جوفه. لم تزل مشاكله الأرضية، ولا عاد المال الذي أخذه إلى أصحابه، لكن ذلك الثقل الرهيب الذي كان يخنقه زال فجأة. ذاكك السرّ الذي كان كالغدة السامة في نفسه، صار مكشوفاً في نور النهار، ففقد سمّه.
عاد إلى قريته في المساء. كانت الخطى نفسها، ولكن كأنما يمشي على سحاب. دخل بيته، وتناول رغيف خبز بارد، فشعر أنه أطيب ما تذوق في حياته. نام تلك الليلة نوماً عميقاً، كمن ينام في حضن أمه بعد عناء طويل.
في الأيام التي تلت، تعلم درساً عظيماً: أن الإنسان يمكن أن يختبئ من الناس، ولكن لا يمكن أن يختبئ من نفسه، ولا من الذي خلق نفسه. واختبر معنى أن تكون خطاياك مغطاة لا بمحاولات التبرير، بل بمراحم لا تُقاس. صار قلبه مدرسة يتعلم فيها أن يخبر بمراحم الرب، كلما اجتمع بالناس. لم يعد يخشى الرياح العاتية ولا فيضانات الأودية، لأنه عرف أن له ملجأ. صار كحصان قوي، يثب في المراعي، لا كبغل جامح يحتاج إلى لجام من حديد.
وفي الليالي الهادئة، كان يخرج إلى السطح، ينظر إلى النجوم المتلألئة، ويهمس بكلمات المزمور الذي صار خبرة حية في جسده: “طوبى للذي غفر ذنبه، وسترت خطيته. طوبى لإنسان لا يحسب له الرب خطيئة، وليس في روحه غش.”
كانت حياته قد تغيرت. لم يصبح إنساناً بلا أخطاء، بل صار إنساناً يعرف طريق العودة عندما يضل. وكأنما نهراً من نعمة جرى في أرض قلبه القاحلة، فأنبتت زهوراً لم يعرف اسمها من قبل: زهرة السلام، وزهرة الشجاعة، وزهرة الرجاء الذي لا يخيب.
وإذا سأله أحد: “كيف وجدت الطمأنينة؟” كان يجيب ببساطة: “عندما توقفت عن الهرب من نفسي، وجدت أن يداً حنوناً كانت تنتظرني في نهاية الطريق، لترفعني من وحل اليأس، وتجعل قدمي على صخر.”




