الكتاب المقدس

حكمة مثرى وكنز القلب

كانت قرية “وادي السّكين” صغيرةً تتنفس بهدوء عند سفح الجبل. وكان فيها رجل اسمه “مَثْرى”، ليس لأنه كان غنياً بالمال، بل لأن قلبه كان مخزناً للحكمة كأنهار لا تجف. في بيت من طين و خشب النخيل، تحت سقف من جريد، كان يجلس كل مساء مع أولاده الثلاثة: كَريم، و سَعيد، و نَهِض.

في تلك الأيام، جاء قحطٌ على الأرض، لم تمطر السماء ثلاثة مواسم. اشتد الجوع، وبدأ الناس يتناقلون الكلمات الجارحة كالسكاكين. في السوق الوحيد بالقرية، حيث تتصاعد روائح البهارات الباهتة و صوت المطارق الخفيف في ورشة النجّار، كان “مَثْرى” يمرّ كل صباح حاملاً سلة خوص فارغة تقريباً. لم يكن يشتري إلا القليل، لكنه كان يشتري الكلمة الطيبة أيضاً، فيسلم على المنكوب بصوته الهادئ، و يربت على كتف الشيخ العاجز، و يقدم النصيحة لمن يسأله دون أن يرفع عينيه عن وجه السائل.

في الجانب الآخر من الوادي، عند منبع النهر الجاف، كان يعيش رجل اسمه “جَهْوَل”. كان بيته أكبر، من الحجر، و كان يمتلك أغناماً كثيرة مات أكثرها جوعاً. و كان لـ “جَهْوَل” ابن واحد اسمه “عَزّان”. كان “جَهْوَل” صاحب لسان طويل، يعد الناس بالخير إذا جاء المطر، و يصف خططه العظيمة، لكن يديه كانتا مقبوضتين. في أيام القحط، كان صوته يعلو في السوق شاكياً متذمراً، لاصقاً التهم بجيرانه، سارقاً بضع حبات من تمر جاره الفقير إذا غفل عنها. كان يعتقد أن القوة في الصراخ، و الغنى في الاحتفاظ بكل شيء لنفسه.

ذات مساء، بينما كان “مَثْرى” يجلس مع أبنائه، سمعوا صوت مشاجرة عنيف يصل من بعيد. كان صوت “جَهْوَل” و ابنه “عَزّان”. قال كَريم: “انظر، يا أبي، لقد حفظ “عَزّان” كل كلمات والده القاسية، و ها هو يردها إليه الآن كالسهم المسموم”. تنهد “مَثْرى” وقال: “الابن الحكيم يسرّ قلب أبيه، أما الابن الجاهل فهو حزن أمه و عبء أبيه. الكلمات كالبذور، يا بنيّ، تزرعها اليوم و تحصدها غداً. و من يزرع شوك الكبرياء و الغضب، كيف يأمل أن يجني ثمر الحب والسلام؟”.

مرت أيامٌ أخرى، و اشتد الجوع. جاء بعض أهل القرية إلى “مَثْرى” يطلبون مشورته. قال له رجل: “لقد سرق “جَهْوَل” آخر بقرة لي! ماذا أفعل؟”. نظر “مَثْرى” إلى الأرض ثم إلى السماء، وقال: “بركات الرب هي التي تُغني، و لا يزيد معها تعباً. يد العامل المجتهد، حتى لو كانت خاوية الآن، ستُرضي بكرةً. لكن اليد الخفاقة للطمع، حتى لو امتلأت اليوم، ستهزأ بها الأيام غداً. اصبر، و اعمل، و لا تسلك مسالك الظلام”.

لم يصدقه الرجل، و ذهب ليشكو للقاضي. و بينما هو منهمك في خصوماته و دعاويه، أهمل أرضه القليلة. أما “مَثْرى” و أولاده، فاستمروا يسقون شتلاتهم القليلة بالماء الذي كانوا يحملونه من البئر البعيد، و يصلحون الجدران، و يحفظون كلامهم من اللغو.

ثم، في ليلة لا يتوقعها أحد، هطل المطر. لم يكن غزيراً، لكنه كان كافياً. اخضرّت الأرض من جديد، و عادت الحياة تدب رويداً. بعد بضعة أشهر، بدأ الناس يحصدون. حصاد “مَثْرى” و أولاده كان وفيراً على غير المتوقع. لقد حسَنوا زراعة القليل الذي لديهم، فبارك الله فيه. جاءهم جيرانهم يطلبون البذور و الطعام، فلم يبخلوا. أصبح بيتهم الطيني ملتقى للخير، و كلمات “مَثْرى” البسيطة تُنسخ في قلوب الشباب كوصية غالية.

أما “جَهْوَل”، فقد كان حصاده قليلاً. لقد أنفق موسم الزرع في الخصومات و جمع ما تبقى من خيراته القديمة خوفاً عليها. أغنامه القليلة الباقية لم تكن تكفيه. و جاءه ابنه “عَزّان” يطالبه بنصيبه من الميراث الوهمي، و تشاجرا من جديد حتى انفض الناس من حولهما. سمع “جَهْوَل” يوماً ضحكات أولاد “مَثْرى” و هم يعودون من الحقل، فتقطر قلبه حسرة. تذكر كلمات “مَثْرى” القديمة التي كان يسمعها و يستهين بها: “الذكي يصعد من الحكمة، و الأحمق يتخبط في ظل جهله. الكرامة تاج للحكيم، لكن الرذيلة كالرماد على رأس الجاهل”.

في أحد الأيام، بينما كان “جَهْوَل” جالساً على حجر عند النهر الذي عاد لجريانه، مرّ به “مَثْرى”. توقف “مَثْرى” وسلم عليه، ثم جلس بجانبه دون أن ينتظر دعوة. نظر “جَهْوَل” إلى الأرض، و بعد صمت طويل، قال: “كيف تنمو محاصيلك و قلوب أولادك، و أنا أفقد كليهما؟”. أجاب “مَثْرى” بصوته الهادئ الذي كخرير الماء: “القلب يحتاج إلى حرث قبل الزرع، و اللسان يحتاج إلى صمت قبل الكلام. الحكمة تبنى بالطاعة، و الثروة الحقيقية تورث بالبر. من يفتح شفتيه على الدوام يكثر المعاصي، لكن من يضبطهما يحفظ نفسه. يا جَهْوَل، البر ينجي من الموت، لكن البغي يطيل الإثم و يورث الخراب”.

لم يرد “جَهْوَل” بكلمة. لكن من ذلك اليوم، بدأ يُرى أقل في السوق، و صار يسمع أكثر. و بطيئاً، كالشجرة الذابلة التي تسقى من جديد، بدأت تظهر على حياته علامات خضراء، خجولة في البداية، لكنها واعدة. و تعلم أهل الوادي، من خلال حكاية هذين الرجلين، أن البركات ليست في غنى البيت و عُلوّ الصرح، بل في غنى القلب و سلامة اللسان، و أن الطريق المستقيم، و إن بدا صعباً في الزمن العاصف، هو وحده الذي يوصل إلى المرعى الأخضر.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *