الكتاب المقدس

خراب أورشليم والبكاء على المجد الضائع

بين أحجار الطريق المتهالكة، حيث كان صوت الأقدام يتردد في الأيام الخوالي، تسكن الآن صمتٌ ثقيل. لم تعد المدينة تئن تحت وطأة الزحام، بل تحت ثقل الغياب. ريح شرقية حادة تعبر الشوارع الضيقة، تحمل معها ذرات ترابٍ تلتصق بجدران البيوت المشرّبة، تلك التي كانت يوماً مملوءة ضحكات وأصوات طهي. الآن، نوافذها كعيون فارغة، تحدق في فراغ لا ينتهي.

كانت تسمى “كاملة الجمال، بهجة كل الأرض”. أتذكر كيف كانت ألوان أثواب الوافدين إليها تزهر كبستانٍ في الربيع، من كل سبط، يحملون معهم أخبار القبائل وعباداتهم في الدار التي بناها سليمان. كان دخان البخور يصعد من الهيكل في الصباح والمساء، رائحة مقدسة تملأ الأزقة، علامة على أن الرب ساكن هنا. أما الآن، فلا رائحة سوى رائحة الرماد البارد، والتراب الجاف.

جلست على حجر السور المكسور، امرأة مسنة، ثيابها بالية وقد غطى الغبار نسيجها الناعم الذي كان فخراً لها. تنظر إلى الطريق المؤدي إلى الشمال، طريق المنفى. أولادها… أولادها الذين ربتهم بيد رفيقة، علمتهم المشي على هذه البلاطات، غنّت لهم أغاني صهيون، ها هم قد سُقوا كقطعانٍ إلى أرض غريبة. لم يعد يسمع في أرجائها صوت طفل يسأل، ولا صبية يتجادلون على ميدان. صراخهم الأخير، حين انتزعوا من أحضانها، لا يزال يدوّي في أذنيها، كطنين لا ينقطع.

الليل هنا يخيّم بسرعة، والبرد القارس يأتي من الجبال. لا ستر لها. الذين كانوا أصدقاءها، جيرانها، أقاربها من المدن المجاورة، هربوا منها. رآها الرب قد أذلّها لِسَورة خطيئتها، فابتعدوا كأنهم لا يعرفونها. صارت مثل نجسة في أعينهم. حتى حلفاؤها القدامى، من هم وراء البحر، خذلوها. بحثت عن عين ترثي لها، فلم تجد.

خطيئتها ثقيلة، كحجر رحى معلق في عنقها. أتذكر الأيام التي تخلت فيها عن عريس شبابها، عن وصاياه، وتبعت آلهة من حجر وخشب، آلهة لا تبصر ولا تسمع. أغراها جمالها وقوتها، فسارت وراء ملوكها إلى المرتفعات، إلى البساتين، حيث بنوا المذابح الغريبة. كانت تظن أن النجاح من قوتها، وأن الأمان من أسوارها العالية. نسيت أن كل ذلك هبة، وأن الرب هو الذي جلس في وسطها قاضياً عادلاً. فصار قاضياً عليها.

الآن، العدو انتصر. دخل الأقوياء من أبوابها المغلقة، ووضعوا نيرهم على عنقها. آنيتها الثمينة، ذهب الهيكل وفضته، أخذوها إلى معابدهم. شعبها تشتت كطيرٍ فقد عشه. والرب، كعدو، أضرم النار فيها. أحرق أساساتها حتى صارت قاعاً صفصفاً.

تدمع عيناها، والدموع لا تجف. خديها مبللان ليل نهار. لا عزاء لها. كل ما تريده أن يراهم المارة فيسبهم، لعل أحداً يدرك عمق ما حلّ بها. لكن المارة قليلون، والطريق مهجور.

تتذكر كل أشيائها الثمينة التي كانت تملكها منذ أيام. أين هي الآن؟ نهبها الأعداء، وهي تنظر إليهم وهم يدخلون مقدسها، المكان الذي كان محظوراً حتى على بنيها أن يدخلوه إلا بكهنة مكرسين. رأت الغرباء يدوسون باحاته بأحذيتهم الغليظة، يختلسون آنية الذهب وهم يضحكون. صرخ قلبها، ولكن صوتها لم يخرج.

الفجيعة لا تكمن في الخراب وحده، بل في الذكرى. في تذكر العز السابق عند مقارنته بالذل الحالي. كأس الدمار شربتها حتى الثمالة، ولا من مجيب. تمد يديها في الظلام، لا تمسك سوى الهواء البارد. تصلي، لكن صلاتها تعلق بين السماء والأرض، كأن حجاب الهيكل الممزق قد صار حجاباً على قلب الرب.

العدو يبسط سلطانه عليها، وهي تضطجع بينهم كعبدٍ لا قوة له. تمد يدها لتلتقط بعض الفتات من حصاد لم تزرعه، فيسخرون منها. صاروا هم الأسياد، وهي الأمة التي كانت عظيمة.

خطيئتها معلنة للجميع، كرداء ممزق على جسدها. لم تسترها. تساقطت أبهتها كأوراق الخريف، وانكشفت عورتها. تنهداتها عميقة، وصمتها أقسى من الصراخ.

في الهدوء القاتل للمدينة، يبدو وكأن حتى الجدران تئن. كل حجر فيها يحكي قصة مجدٍ ذبل، وكل طريق يخبر عن مسيرة انتهت إلى حفرة. الرب بار بوعيده، كما هو بار بمواعيده. هي تعرف ذلك. العدل تم. ولكن ألم العدل يحترق كالنار.

تحدق في النجوم الباردة التي تتلألأ فوقها. هي نفس النجوم التي كانت تراها من شرفة قصرها الملكي. لكن الضوء الآن مختلف، بارد وقاس. لا تعرف إذا كان الغضب سيدوم إلى الأبد، أو إذا كان في قلب الرب رحمة تنتظر بعد هذا القصاص. كل ما تعرفه الآن هو مرارة الكأس، ولوعة الوحدة، وثقل ظلمة لا ساحل لها.

وتبقى جالسة على حجر السور، كأنها صخرة من صخور المدينة المنهارة. والريح تعوي في الأزقة الفارغة، ناشرةً غبار الذهب القديم، وغبار الذكريات، وغبار الرجاء الذي تحول رماداً تحت قدمي الغزاة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *