الكتاب المقدس

سقوط ملك صور المتكبر

كان البحر الأبيض المتوسط يهمس بأمواجه الزرقاء الداكنة على صخور جزيرة صور. وفي القصر المشيد من أرز لبنان والمرصّع بصفائح الذهب، جلس الملك على كرسيّ من العاج، تنبعث من ثيابه رائحة كلّ أفخر العطور: القرفة والخزامى والمرّ. كان يعتقد نفسه في أمانٍ أبديّ، محميّاً بأسطوله الذي لا يُقهر وبحكمته التي تظنّ أنها لا تحدّها حدود.

في تلك الأيام، جاءت كلمة الربّ إلى حزقيال النبيّ، قائلاً: “يا ابن آدم، قل لرئيس صور: هكذا قال السيد الرب: لأنّ قلبك ارتفع، وقلت: أنا إله، في مقعد الآلهة جالس في قلب البحار. وأنت بشر ولسوت بإلهاً، وجعلت قلبك كقلب الله.”

هكذا بدأت النبوّة، كصوت رعد بعيد يقطع ضجيج الأسواق المليئة بالفضّة والذهب، والعاج والزمرد، والحرير والتوابل. لقد منحته يد الربّ حكمة تفوق حكمة دانيال، وأتقن كلّ فنون الحكمة الأرضيّة. عرف أسرار النجوم، وخفايا الهندسة، وطرق كلّ تجارة تحت الشمس. لكنّ هذه المواهب، التي منحها إيّاه خالقه، تحوّلت في داخله إلى جنون العظمة. نظر إلى مراكبه التي تخترق الأمواج، إلى خزائنه التي تفيض ثروة، إلى حصونه التي تبدو منيعة، فظنّ أنّه قد بنى ملكوته بقوّته الذاتيّة، ونسي المنبع.

“بكَثرة تجارتك ملأوا جوفك ظلماً، فخطفت.” كانت تجارته لا تعرف حدوداً، ولا تقيم وزناً للعدل. كان الربح هو الإله الحقيقيّ، والمدينة العظيمة هي هيكله. لكنّ النبوّة كانت تذهب إلى ما هو أعمق من مجرّد ملك بشريّ. كانت ترسم صورةً أقدم، وأكثر مأساوية.

“أنت كروبة المبسّط المظلل، وقد أقامك الله على جبل الله المقدس. بين حجارة النار تمشيت. كاملاً أنت في طرقك من يوم خلقت، حتى وجد فيك إثم.”

هاهنا يلامس النصّ سرّاً عظيماً، صورةً عن مخلوق سامٍ، خُلق في كمال الجمال والحكمة، مُقام في مقام ملائكيّ شريف. لقد كان “خاتم الكمال”، مملوءاً بالحكمة وكاملاً في الجمال. كانت حدائق عدن، جبل الله، حجارة النار النفيسة مثل العقيق الأصفر والياقوت والماس، رداءً له. وكان صوّاناً منضّداً يخرج منه نغمة موسيقية تسبّح الخالق. لكنّ هذا الجمال والحكمة أُعطيَا كهديّة، لا كمكتسب ذاتيّ. وعندما نَسِيَ هذه الحقيقة، تحوّل الكمال إلى كبرياء، والنور إلى ظلمة.

“ارتفع قلبك لبهائك، أفسدت حكمتك من أجل بهرجك.” تلك هي النقطة التي انقلب فيها كلّ شيء. إنّها سقطة الحكمة التي تنسى أنّها مستعارة، والجمال الذي يعبد نفسه. لقد أُلقيت من جبل الله، ومن بين حجارة النار، وأبادت النار جوفه. صار عرضةً للرعب أمام ملوك الأرض، الذين ينظرون إليه ويتحيرّون: “أهذا هو الرجل الذي جعل الأرض ترتعد، ويرتجف ممالكها؟”

وفي النهاية، تُرجمت النبوّة إلى واقع ملموس. فبعد سنوات، جاءت جيوش الملك نبوخذنصّر، ذلك الطاغية العظيم من الشرق، وحاصرت جزيرة صور. لم تَنْجُ حصونها المنيعة، ولا أسطولها الجبّار. دُكّت الصخور التي بُنيت عليها، وصارَت مكاناً لكشف الشباك في وسط البحر. وأمّا الملك، الذي ظنّ نفسه إلهاً، فسقط كسقوط نجمٍ متعالٍ. صارَ رماداً على الأرض، أمام عيون كلّ الذين عرفوه. وأدرك الجميع أنّ هناك قداسة أعظم من كلّ حكمة بشريّة، وعدالة أعمق من كلّ ثروة، وإلهاً وحيداً هو خالق البحار والجبال، وواهب العقل والجمال، والذي لا يُزاحم على عرش قلبه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *