في السنة الثالثة من حكم الملك بلشاصر، ظهرت لي رؤيا بعد تلك التي رأيتها أولاً. كنت في شوشن العاصمة التي في ولاية عيلام، وكنت واقفاً عند نهر أولاي. فرفعت عينيَّ ونظرت وإذا بكبش واحد واقف عند النهر، وله قرنان. والقرنان عاليان، لكن أحدهما أعلى من الآخر، والأعلى طلع أخيراً.
رأيت ذلك الكبش ينطح غرباً وشمالاً وجنوباً، فلم يقف حيوان قدامه، ولا من ينجِّي من يده. وفعل كمرضاته، وتعظم جداً. وبينما أنا متأمل، إذا بتيس من المعزى جاء من الغرب على وجه كل الأرض، ولم يمس الأرض. وكان للتيس قرن معتبر بين عينيه. فجاء إلى الكبش ذي القرنين اللذين رأيته واقفاً عند النهر، وركض إليه بشدة القوة. ورأيته وقد اقترب إلى الكبش، فاستشاط عليه وضرب الكبش فكسر قرنيه، فلم تكن للكبش قوة للوقوف أمامه. وطرحه على الأرض وداسه، ولم يكن للكبش من ينجيه من يده.
فتعظم تيس المعزى جداً، ولما تشدد انكسر القرن العظيم، وطلع بدله أربعة قرون معتبرة نحو رياح السماوات الأربع. ومن واحد منها خرج قرن صغير، فتعظم جداً نحو الجنوب ونحو الشرق ونحو فخر. وتعظم حتى إلى جند السماوات، وطرح بعضاً من الجند والنجوم إلى الأرض وداسهم. وحتى إلى رئيس الجند تعظم، وبه أُبطلت المحرقة الدائمة، وخرّب مسكن مقدسه. وجندٌ أُسلم مع المحرقة على معصية، فطرح الحق إلى الأرض وفعل ونجح.
وسمعت قديساً يتكلم، فقال قديس واحد لفلان المتكلم: “إلى متى الرؤيا من جهة المحرقة الدائمة ومعصية الخراب، لتدوس المقدس والجند؟” فقال لي: “إلى ألفين وثلاث مئة صباح ومساء، فيتبرأ المقدس”.
وفيما أنا دانيال أتأمل الرؤيا وأطلب الفهم، إذا بشبه إنسان واقف قدامي. وسمعت صوت إنسان من وسط أولاي فنادى وقال: “يا جبرائيل، فَهِّمْ هذا الرؤيا”. فجاء ووقف بقربي، فلما جاء دهشت وخررت على وجهي. فقال لي: “افهم يا ابن آدم، فإن الرؤيا لوقت النهاية”.
وبينما هو يكلمني، سقطت نائماً على وجهي إلى الأرض، فلمسني وأقامني قائماً. وقال: “هأنذا أعرفك ما يكون في آخر السخط، لأنه لوقت الميعاد. الكبش الذي رأيته ذا القرنين هو ملوك مادي وفارس. وتيس المعزى هو ملك اليونان، والقرن العظيم الذي بين عينيه هو الملك الأول. وأما المنكسر وقام أربعة بدله، فستقوم أربع ممالك من الأمة، لكن ليست بقوته. وفي آخر ملكهم، عند تمام المعصية، يقوم ملك شديد الوجه، فهيم الفهم. وتقوى قوته، ولكن ليس بقوته، ويعجب بإهلاك عجائب، ويُفلح بيده، ويبيد أعزاء وشعب القديسين. وبحكمته يُفلح مكره بيده، ويتعظم في قلبه، وبالسلام يبيد كثيرين، ويقوم على رئيس الرؤساء، وبغير يد ينكسر”.
فرؤيا المساء والصباح التي قيلت هي حق. وأما أنا فختمت الرؤيا، ولم أستطع أن أفهمها، فانتعشت وتيقظت وقمت بعمل الملك، وكنت مشدوهاً من الرؤيا ولا مفهم لها.




