الكتاب المقدس

العذارى الحكيمات والعبيد الأمناء

في تلك الأيام المقدسة، وقف يسوع على منحدر جبل الزيتون، محاطاً بتلاميذه الذين التفتوا حوله كالنحل حول خليته. كانت الشمس تميل نحو الغروب، تاركةً خلفها ألواناً أرجوانية وذهبية تزين سماء أورشليم. تنهد الرب تنهيدة عميقة تملأها الحكمة الإلهية، ثم بدأ يحدثهم بمثل عظيم عن ملكوت السماوات.

“يشبه ملكوت السماوات عشرة عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس. خمسٌ منهن كن حكيمات، وخمسٌ جاهلات. أما الحكيمات فأخذن زيتاً في آنيتهن مع مصابيحهن. وأما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتاً.”

كانت العذارى الحكيمات يتحلين بالبصيرة الروحية، فقد خططن للمستقبل وكُن مستعدات لأي طارئ. بينما كانت الجاهلات تعيش في لحظتها فقط، غير مباليات بما قد يحدث. وبينما أبطأ العريس، نعسن جميعاً ورقدن.

“وفي نصف الليل، صار صراخ: هوذا العريس قد جاء! فاستيقظت جميع تلك العذارى وهيّأن مصابيحهن.”

تصور المشهد: الظلام الدامس يلف القرية، والنجوم تتلألأ في كبد السماء، ثم فجأة… الأصوات تعلو، والأقدام تسرع، والمصابيح تشعل الطريق. لكن المصابيح بدأت تخبو واحدة تلو الأخرى.

“فقالت الجاهلات للحكيمات: أعطيننا من زيتكنّ فإن مصابيحنا تنطفئ. فأجابت الحكيمات: لعلّه لا يكفينا ولكُنّ، بل اذهبن إلى الباعة واشتريتن لأنفسكنّ.”

كانت هذه اللحظة تمثل الفارق بين المستعد وغير المستعد. الحكيمات كن يعرفن أن الاستعداد الروحي لا يمكن مشاركته أو نقله للآخرين. كل إنسان مسؤول عن استعداده الشخصي للقاء الرب.

“وفيما هنّ منطلقات للشراء، جاء العريس، والمستعدات دخلن معه إلى العرس، وأغلق الباب.”

تخيل الأبواب الضخمة وهي تُغلق ببطء، والصوت المدوي للخشب وهو يلتقي بالحجر. الداخلون يتمتعون بالفرح والبهجة، بينما تبقى الجاهلات في الظلمة.

“وأخيراً جاءت العذارى الباقيات قائلات: يا سيد، يا سيد، افتح لنا! فأجاب: الحق أقول لكنّ: إني لا أعرفكنّ.”

كانت هذه الكلمات تحمل حزناً إلهياً، فالعريس لم يكن قاسياً، لكن المواعيد الإلهية لها توقيتها، والاستعداد له وقته المحدد.

ثم تابع الرب يسوع قائلاً بمثل آخر: “وكأنما إنسان مسافر، دعا عبيده وسلمهم أمواله. فأعطى واحداً خمس وزنات، وآخر وزنتين، وآخر وزنة، كل واحد على قدر طاقته.”

كان السيد يمثل الرب نفسه، والعبيد يمثلون المؤمنين، والوزنات تمثل المواهب والقدرات التي منحها الله لكل إنسان.

“فمضى الذي أخذ الخمس وزنات وتاجر بها، فربح خمساً أخر. والذي أخذ الوزنتين ربح وزنتين أخريين. وأما الذي أخذ الوزنة فمضى وحفر في الأرض وأخفى فضة سيده.”

لاحظ كيف أن العبد الأول والثاني استخدما ما أعطيهما باجتهاد، بينما الثالث خاف واختبأ. هذا يمثل الفرق بين من يثق في محبة الله ويتجرأ على استخدام مواهبه، ومن يخاف ويتراجع.

“وبعد زمان طويل جاء سيد أولئك العبيد وحاسبهم. فقال للذي ربح الخمس وزنات: نعماً أيها العبد الصالح والأمين، كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير. ادخل إلى فرح سيدك.”

كانت هذه الدعوة تمثل الفرح السماوي الذي ينتظر الأمناء. الصورة كانت مؤثرة: العبد يدخل إلى قاعة العرش حيث النور الإلهي يملأ المكان، والملائكة تترنم.

“ثم جاء الذي لديه الوزنتين بنفس النتيجة. لكن الذي أخذ الوزنة قال: يا سيد، علمت أنك إنسان قاسٍ، تحصد حيث لم تزرع، وتجمع حيث لم تبذر، فخفت ومضيت وأخفيت وزنتك في الأرض.”

كانت هذه حجة الجبان، الذي ينسب القسوة للرب بدلاً من الاعتراف بكسله. لقد فهم العلاقة مع الله فهماً خاطئاً.

“فأجابه سيده: أيها العبد الشرير والكسلان، كنت تعلم أني أحصد حيث لم أزرع… فكان ينبغي أن تضع فضتي عند الصيارفة، فأأتي وأأخذ لي مع ربح.”

هنا نرى أن الله لا يطلب المستحيل، بل فقط الاستخدام الأمين لما أعطاه. حتى لو كان الربح قليلاً، فهو مقبول عند الرب.

وأخيراً، ختم الرب يسوع كلامه بالحديث عن الدينونة العظيمة: “ومتى جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده. وتُجمع أمامه جميع الشعوب.”

تخيل هذا المشهد المهيب: الملائكة بملابسهم البيضاء، والقديسين من كل العصور، والعرش الإلهي يشع بالنور. كل الخليقة تصمت انتظاراً للحكم.

“فيميزهم بعضهم عن بعض، كما يميز الراعي الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه، والجداء عن اليسار.”

كان التمييز واضحاً، ليس بناءً على المعرفة أو المراكز الدينية، بل على المحبة العملية.

“ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريباً فآويتموني.”

هنا تكمن المفاجأة العظيمة: الأبرار لم يعرفوا أنهم كانوا يخدمون الرب بهذه الأعمال.

“فيجيبه الأبرار: يا رب، متى رأيناك جائعاً فأطعمناك، أو عطشاناً فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريباً فآويناك؟”

كانت براءتهم تظهر في استغرابهم، فهم لم يفعلوا هذه الأعمال لكي يُكافأوا، بل بدافع المحبة الصادقة.

“فيجيب الملك: الحق أقول لكم: بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم.”

هذه هي النقطة المركزية: خدمة المحبة للبشر هي خدمة للرب نفسه. كل إنسان محتاج هو صورة للرب المتألم.

“ثم يقول للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته.”

الكلمات كانت ثقيلة كالجبال، تحمل كل ثقل الدينونة الإلهية. النار الأبدية لم تُعد للبشر أصلاً، لكن رفض محبة الله هو الذي يقود إليها.

“لأني جعت فلم تطعموني، عطشت فلم تسقوني، كنت غريباً فلم تأووني.”

الخطية هنا هي خطية الإهمال، خطية ما لم يُفعل. إنها الفشل في رؤية المسيح في المحتاج.

وهكذا انتهى الرب من أمثاله، والتلاميذ وقفوا صامتين، تائهين في عمق هذه التعاليم. كانت الشمس قد غابت تماماً، والنجوم تزين السماء كالمصابيح الصغيرة، تذكيراً بأن النور الحقيقي يأتي من الاستعداد لملاقاة العريس السماوي. كل قلب تأمل في سؤال واحد: أين مكاني في هذه القصة؟ هل أنا من العذارى الحكيمات؟ هل أنا من العبيد الأمناء؟ هل أستطيع أن أرى وجه المسيح في كل محتاج؟

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *