الكتاب المقدس

شفاء المرأة المنحنية يوم السبت

في أحد أيام السبت المقدسة، بينما كان يسوع يعلّم في مجمع من مجامع الجليل، دخلت امرأة كانت مُثبَّتة الجسد منذ ثمانية عشر عاماً. كانت قدسية المكان تملأ الأجواء، ورائحة البخور تعبق في الفضاء، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل من النوافذ العليا لتضيء على لفائف التوراة المقدسة.

كانت المرأة منحنية تماماً، لا تقدر أن تنتصب البتة. عظامها قد تصلبت في هذا الوضع، وعينيها لا ترى إلا الغبار على الأرض وأقدام المارة. في كل يوم كانت تزحف إلى المجمع، تاركة وراءها درباً من الألم والصبر. شعرها الأشيب يتدلى أمام وجهها المُجعد، وأصابعها المتشنجة تبحث عن نقطة ارتكاز بين الحجارة الباردة.

لم تكن مجرد امرأة عجوز، بل كانت رمزاً للشعب المكبّل بثقل الناموس والخطيئة. الشيطان قد ربطها، كما يربط الصياد طيره، حتى صارت أسيرة في جسدها نفسه. وكانت تسمع من بعيد صوت الرب يسوع وهو يفسر الكتب، فكان كلامه ينفذ إلى قلبها كالندى على الأرض القاحلة.

فلما رآها يسوع، توقفت الكلمات على شفتيه. نظراته المليئة بالرحمة اخترقت حشد المصلين حتى وصلت إليها. لم يرَ فقط الجسد المنحني، بل رأى سنوات الوحدة، ليالي البكاء، وأيام الانتظار. رأى إيمانها الصامت الذي لم يمت رغم كل شيء.

دعاها إليه بصوته الهادئ الذي يهدئ الأعاصير. “يا امرأة، أنت مطلقة من مرضك”. ثم مدّ يديه القدسيتين ولمسها للمرة الأولى منذ سنوات طوائل. تحت أصابعه الشافية، بدأ الظهر المنحني ينتصب ببطء، وكأن عظامها تعود إلى الحياة. انحناءة ثمانية عشر عاماً تهاوت في لحظة، وصارت قائمة تسبح الله.

أما رئيس المجمع، فقد امتلأ غيظاً. عيناه تتقدان غضباً من وراء نظارته، وشفتاه ترتجفان. صاح في الجمع: “هناك ستة أيام ينبغي العمل فيها، ففيها يأتي الناس ويشفون، لا في يوم السبت!” كان صوته يشبه صفير الأفاعي، ممزوجاً برائحة النفاق.

فأجابه الرب بنظرة حازمة تذكّر بالأنبياء القدامى: “يا مرائي! أليس كل واحد منكم يحل ثوره أو حماره من المذود في السبت ويذهب به لسقيه؟”. كانت كلماته كالسيف القاطع، تكشف ما في القلوب. “فهذه المرأة، وهي ابنة لإبراهيم، قد ربطها الشيطان ثمانية عشرة سنة، أما كان ينبغي أن تحل من هذا الرباط في يوم السبت؟”

فخزي جميع مقاوميه. وانصرف الجمع كله بفرح عظيم من أجل جميع الأعمال المجيدة التي كان يصنعها. أما المرأة، فكانت تلمع عيناها بدموع الشكر، وقد حملت في قلبها نعمة لم تعرفها من قبل. كانت تمشي الآن مرفوعة الرأس، ترى السماء لأول مرة منذ سنوات، وتشعر بنسمات الحرية تداعب وجهها.

وهكذا أظهر الرب أن رحمة الله أعظم من تقاليد البشر، وأن السبت قد جعل للإنسان، لا الإنسان للسبت. وكانت هذه المعجزة تذكيراً بأن حرية أبناء الله لا تقيدها شرائع البشر، عندما تأتي من نبع المحبة الإلهية الصافية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *