فِي أَيَّامِ الرَّسُولِ بُولُسَ، بَيْنَمَا كَانَ يَكْتُبُ إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ، تَدَفَّقَتْ كَلِمَاتُ النُّورِ مِنْ قَلْبِهِ كَنَهْرٍ مُتَدَفِّقٍ. كَانَ جَالِسًا فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ، إِلَّا أَنَّ نُورَ المَسِيحِ كَانَ يَمْلَأُ كُلَّ زَاوِيَةٍ بِسُطُوعٍ إِلَهِيٍّ.
تَذَكَّرَ بُولُسُ حَمْلَ الْجَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ فِي أَوْعِيَةٍ خَزَفِيَّةٍ، فَكَتَبَ بِحَرَارَةٍ: “لَكِنْ لَنَا هَذَا الْكَنْزُ فِي أَوْعِيَةٍ خَزَفِيَّةٍ، لِكَيْ تَكُونَ فَضْلَةُ الْقُوَّةِ لِلَّهِ لاَ مِنَّا”. تَلألأَتِ الْكَلِمَاتُ عَلَى وَرَقِ الْبَرْدِيِّ كَأَنَّهَا تِيجَانُ مَلَكُوتٍ.
وَفِي ذِهْنِهِ تَصَوَّرَ حَامِلِي الْجَوْاهِرِ، كَيْفَ يَسِيرُونَ فِي طُرُقٍ مُتَعَرِّجَةٍ بَيْنَ الْجِبَالِ، كُلُّ وَاحِدٍ يَحْمِلُ وِعَاءً مِنَ الْخَزَفِ الْبَسِيطِ، بَيْنَمَا تَتَلألأُ فِيهِ جَوَاهِرُ السَّمَاوَاتِ. كَانَتِ الأَوْعِيَةُ تَتَشَقَّقُ وَتَتَكَسَّرُ، إِلَّا أَنَّ النُّورَ الَّذِي فِي الدَّاخِلِ كَانَ يَزْدَادُ سُطُوعًا كُلَّمَا زَادَتِ الضَّغْطَاتُ.
ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بُولُسُ فِي وَصْفِ الأَتْقَاءِ الَّذِينَ يَحْتَمِلُونَ الأَذَى: “مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَكِنْ غَيْرَ مُنْسَحِقِينَ. مَحْزُونِينَ، وَلَكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، وَلَكِنْ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ. مَطْرُوحِينَ، وَلَكِنْ غَيْرَ الْهَالِكِينَ”. كَانَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ تَنْبَثِقُ مِنْ جِرَاحِهِ الَّتِي تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا عِطْرَ الْمَسِيحِ.
وَفِي قَلْبِ اللَّيْلِ، بَيْنَمَا كَانَ الْقَمَرُ يُلَقِّي بِظِلَالِهِ عَلَى الْغُرْفَةِ، رَأَى بُولُسُ رُؤْيَةً عَجِيبَةً. رَأَى جَمَاعَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَسِيرُونَ فِي وَادٍ مُظْلِمٍ، كُلُّهُمْ يَحْمِلُونَ مَصَابِيحَ مِنْ خَزَفٍ. وَعِنْدَمَا ضَرَبَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ، تَكَسَّرَتِ الْمَصَابِيحُ، فَإِذَا بِالنُّورِ يَنْدَلِعُ مِنْهَا أَشَدَّ بَهَاءً، فَيَنْتَشِرُ فِي كُلِّ الْوَادِي حَتَّى يَصِيرَ كَالنَّهَارِ.
وَكَتَبَ بِصَوْتٍ مَلْؤُهُ الْيَقِينُ: “لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا الْمَائِتِ”. وَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، شَعَرَ بُولُسُ كَأَنَّ نُورًا سَمَاوِيًّا يَنْسَابُ فِي عُرُوقِهِ، فَتَحَوَّلَتْ آلامُهُ إِلَى أُنْشُودَةِ فِدَاءٍ، وَآلامُهُ إِلَى سُلَّمٍ يَرْتَقِي بِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ أَصَابِعُهُ تَرْعَشُ مِنَ الْبَهْجَةِ، أَتْمَمَ كِتَابَتَهُ: “لِذَلِكَ لاَ نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا”. وَعِنْدَمَا وَضَعَ الْقَلَمَ، كَانَ الْفَجْرُ قَدْ بَدَأَ يَنْبَثِقُ مِنْ خِلَالِ الشَّبَابِيكِ، فَامْتَلأَتِ الْغُرْفَةُ بِضِيَاءٍ يَشْهَدُ أَنَّ النُّورَ الأَزَلِيَّ قَدْ غَلَبَ الظُّلْمَةَ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ قَدْ انْتَصَرَتْ عَلَى الْمَوْتِ.




