كان الجوّ حاراً كالمعتاد في سيناء، والريح تحمل ذرات رمل دقيقة تلتصق بالوجوه المتعبة. جلس شيخ القبيلة تحت خيمة من شعر الماعز، يحكّ ذقنه المكسو بالشيب وهو يستمع إلى أسئلة الشاب الذي جاء من بعيد ليتعلّم.
“لماذا نرفض أكل الجمل يا عمي؟” سأل الشاب وهو يشير إلى القافلة التي تمرّ قربهم، الجمال تئنّ تحت ثقل الأمتعة.
ابتسم الشيخ وكانت عيناه تضيئان كجمرتين في ظلمة الليل. “اسمع يا بني، فالكلام الذي سأقوله ليس من عندي، بل هو كلام الرب الذي أعطانا الحياة.”
أمسك الشيخ بعصاه ورسم خطوطاً في الرمل. “الجمل يا ولدي يشبهنا في كثير… ينطح الصخور بقدميه القويتين، ويصبر على العطش أياماً… لكنّه لا يشقّ ظلفاً. إنه يمجّ الطعام ثم يعيد مضغه، لكنّه ليس من الحيوانات التي تشقّ ظلفها وتجترّ. لذلك هو محرّم علينا.”
مرّت لحظة صمت، لا يسمع إلا حفيف الريح في أطراف الخيمة. ثم استمر الشيخ: “والأرنب البري الذي تراه في البرية، يعدو بين الصخور كالريح… إنه يجترّ لكن لا ظلف مشقوق له. والوبر الذي يتسلّق الجبال بسرعة البرق، يجترّ لكنّ أقدامه ليست كأقدام الماشية.”
رفع الشيخ إصبعه نحو السماء وكأنه يحدّد شيئاً غير مرئي. “في المياه، كل ما له زعانف وحراشف تأكلونه. لكن ما ليس له زعانف وحراشف فهو رجس. انظر إلى سمك النهر يلمع تحت الماء كالفضّة، حراشفه تتلألأ تحت أشعة الشمس. لكن ذلك المخلوق اللزج الذي يلتصق بالصخور، لا زعانف له ولا حراشف… إنه نجس.”
تحدّث الشيخ عن الطيور، وعن تلك التي تحلق في السماء كأنها رسل الله. “النسر والعقاب والرخمة… كل طير جارح يأكل الجيفة محرّم. لكن الحمامة التي تحمل غصن الزيتون، والسمان الذي ينزل علينا كالمنّ من السماء… هذه حلّ لنا.”
كانت عينا الشيخ تلمعان وهو يذكر تفاصيل لم يلاحظها الشاب من قبل. “والجراد يا بني، الذي يأتي أسراباً كالسحاب الأسود… إنه يحلق برجليه، يثب على الأرض كالخيل المسرجة. لكن كل ما يمشي على بطنه، أو على أربع، أو له أرجل كثيرة زاحفة… هو رجس.”
سأل الشاب: “ولماذا كل هذه التفاصيل يا عمي؟”
أجاب الشيخ بصوت هادئ عميق: “لأننا شعب مقدّس اختاره الرب. عندما نميّز بين النجس والطاهر، نتعلم أن نميّز بين الخير والشر. عندما نراقب ما يدخل أفواهنا، نتعلم أن نراقب ما يدخل قلوبنا.”
أشار إلى القبائل الأخرى التي تعيش حولهم. “هم يأكلون كل شيء دون تمييز، لكننا نحن مختارون لنكون قديسين. كما أن الرب قدّسنا، يجب أن نقدّس أنفسنا في كل شيء، حتى في طعامنا.”
بدأ الظلام يزحف من تخوم الصحراء، والنجوم تتلألأ في السماء كشموع في معبد عظيم. قام الشيخ وأمسك بكتف الشاب. “تذكر يا بني، ليست هذه مجرد قواعد للطعام، بل هي طريق للقداسة. عندما نرفض أكل النجس، نعلن أننا شعب الله المميز، شعب العهد.”
ذهب الشاب إلى خيمته وهو يحمل في قلبه أسئلة جديدة، لكنه هذه المرة كان يشعر أن كل خيط في هذه الحياة متصل بخيط آخر في السماء. حتى الطعام الذي يأكله أصبح صلاة، والامتناع عن بعضه أصبح عبادة.




