في تلك الأيام، حين كانت الشمس ترسل أشعتها الذهبية الأخيرة على تخوم البرية، تجمع رجال من بني لاوي حول قورح بن يصهار. كان قورح رجلاً مهاباً، ذا لحية بيضاء كالثلج وعينين تشعان بذكاء حاد، لكن اليوم كانت تعتمهما سحابة من السخط. “كفى!” هتف بصوته الجهوري الذي اعتاد ترديد التراتيل في الخيمة. “ألستم جميعاً أقداساً؟ فلماذا ترفعون أنفسكم فوق جماعة الرب؟”
كان يتحدث عن موسى وهارون، اللذين وقفا أمام الخيمة في ذلك المساء، وكأنهما ينتظران عاصفة لا محالة. لم يكن موسى بتلك الهيبة التي يتصورها البعض، بل كان رجلاً نحيلاً، تعلو جبهته تجاعيد القلق، لكن عينيه كانتا تحملان ذلك العمق الذي يخيف الجبارين. أما هارون، فكان يقف بثيابه الكهنوتية البيضاء، صامتاً كالجبل، وكأن صدره يحمل هموم أمة بأكملها.
لم يكن قورح وحده، فقد انضم إليه ذاثان وأبيرام ابنا ألياب، ومئيناسخ من سبط رأوبين. كان ذاثان رجلاً عنيداً، يتحرك كالدب الكاسر، بينما كان أبيرام يتكلم بلسان سليسل كالأفعى. تجمع حولهم مئتان وخمسون رجلاً من وجوه المجتمع، كل منهم يحمل في قلبه جرحاً من جراء التيه، وكل منهم يرى في نفسه الأهلية لما يدعيه موسى.
“أرض تفيض لبناً وعسلاً وعدتنا، وجئت بنا إلى هذه البرية لتميتنا!” صرخ ذاثان، وهو يشير بيده المتصلبة نحو الخيمة. “أتريد أن تتسلط علينا أيضاً؟”
في تلك اللحظة، سمعوا صوتاً هادئاً لكنه قطع الهواء كالسيف. كان موسى قد سجد على وجهه، ثم نهض ببطء. “غداً” قال، وكلماته كانت ثقيلة كالحجارة. “سيظهر الرب من هو له، ومن هو مقدس فيقربه. قدموا غداً مجامركم، أنتم وقورح وجماعته.”
لم ينم أحد تلك الليلة. كان القمر ينير البرية بضوء بارد، وكأن السماء نفسها تحبس أنفاسها. في خيمة قورح، كان الرجال يجتمعون حول النار، تتقافز الظلال على وجوههم المتيقظة. كان أحدهم، ألياقيم الشاب، يمسك بيد مرتعشة بالمجامر التي صقلها بنفسه. “هل نقدم البخور حقاً؟” سأل بصوت خافت.
أما في خيمة موسى، فكان الرجل العجوز جاثياً على ركبتيه، يهمس بصوت مكسور: “يارب، لا تقبل تقدمتهم. لا تسمح لهذه الجمرة أن تشتعل.”
مع بزوغ الفجر، تجمع الجميع أمام خيمة الاجتماع. كانت السماء وردية في الأفق، لكن الجو كان ثقيلاً كالرصاص. اصطف مئتان وخمسون رجلاً بمجامرهم، والدخان يتصاعد منها بروائح متنافرة. وقف قورح في المقدمة، عيناه تتقدان بتحدٍ، بينما كان موسى وهارون واقفين عند باب الخيمة.
وفجأة، كما لو أن السماء انفتحت، تجلى مجد الرب في السحابة. صرخ موسى وهارون: “ابتعدوا عن مساكن هؤلاء الأثمة!”
كانت اللحظة عصيبة. ركض الناس مذعورين، بينما وقف ذاثان وأبيرام عند أبواب خيامهما متحديين، وامرأتاهما تنظران من خلال ثغرات الخيم بعيون مليئة بالرعب.
ثم بدأت الأرض ترتجف. لم تكن هزة عادية، بل كانت كأنها تنشق من الأعماق. انفتح شق عظيم في التراب الجاف، ابتلع قورح وكل ماله، وابتلع ذاثان وأبيرام وخيامهم وكل من كان معهم. صرخات مختنقة ارتفعت ثم اختفت فجأة، وكأن الأرض أطبقت فمها الجائع.
أما المئتان والخمسون رجلاً الذين كانوا يقدمون البخور، فخرجت نار من قبل الرب وأكلتهم، فسقطوا جثثاً متفحمة حول مجامرهم النحاسية التي ما زالت تدخن.
صمت مطبق خيم على المكان. رائحة الكبريت واللحم المحروق امتزجت مع رائحة البخور. كان موسى واقفاً شاحباً، بينما كان هارون يمسك بصدره وكأنه لا يستطيع التنفس.
أمر موسى أن تؤخذ المجامر ويطرق بها صفائح لتغطية المذبح، تذكرة للأجيال القادمة. لكن الغريب أن الصرخات ارتفعت في اليوم التالي من بني إسرائيل جميعاً: “أنتم قتلتم شعب الرب!”
مرة أخرى تجلى المجد في السحابة، ومرة أخرى حاول موسى وهارون أن يقفا في الثغرة. لكن هذه المرة، خرجت الضربة كعاصفة لا تقاوم. بدأ الناس يسقطون كالذباب، هنا وهناك، في الخيام وفي الطرقات.
“بخور!” صرخ موسى لهارون. “أسرع وخذ المجمرة واذهب إلى وسط الجماعة واصنع كفارة!”
ركض هارون، وهو يحمل المجمرة الملتهبة، ووقف بين الأحياء والأموات. كان دخان البخور يتصاعد كصلاة يائسة. وتوقفت الضربة.
لكن الرائحة بقيت عالقة في الهواء لأيام: رائحة الموت، ورائحة البخور، ورائحة الخوف. وفي الليالي التالية، كان الآباء يحدثون أبناءهم عن اليوم الذي افتتحت فيه الأرض فاها، وعن النار التي أكلت المتمردين، وعن الكاهن الذي وقف بين الموت والحياة. وكانوا يختتمون بالقول: “احذروا أن تتمردوا على من اختارهم الرب، فالأرض تحت أقدامنا لا تزال تتذكر.”




