كان النهار يميل نحو الغروب حين وصل الخبر إلى أذن داود في أورشليم. جاء الرسول مغبر الثياب، متعب الساقين، وقد علت وجهه غبرة الطريق الطويل. وقف بين يدي الملك وهو يلهث، ثم ألقى بخبر موت ناحاش ملك عمون. تذكر داود في الحال ذلك الملك الذي أظهر إليه معروفاً في أيام محنته، حين كان هارباً من وجه شاول. فتملكته رغبة صادقة في تعزية حنون ابنه خلفه على العرش.
اختار داود وفداً من رجال حاشيته، رجالاً عرفوا بالحكمة واللباقة. أوصاهم قائلاً: “اذهبوا إلى حانون بن ناحاش في ربة عمون، وقولوا له ما يجول في قلبنا من مواساة لفقده أباه الصالح”. سار الوفد عبر الجبال والوديان، حتى وصلوا إلى القصر الملكي في عمون.
لكن شياطين الشك وساسة السوء همسوا في أذن حنون: “أترى داود أرسل معزينه إليك احتراماً لأبيك؟ كلا! إنما هم جواسيس جاءوا ليتجسسوا على المدينة ويخططوا للغدر!” فصدق الملك الشاب تلك الهمسات، وأغلق عقله عن صوت الحكمة.
استقبل حنون الوفد باستخفاف، ثم أمر حراسه أن يحلقوا لحى رجال داود من نصفها، وأن يقصوا ثيابهم من الأسفل حتى تكشفوا. فعل الحراس ما أمروا به، وأعادوا الوفد مهاناً إلى داود.
كانت الإهانة موجعة كالسيف في القلب. أرسل داود لملاقاة رجاله عند أريحا، وأمرهم أن يبقوا هناك حتى تنبت لحاهم من جديد. أما حنون، فقد أدرك خطورة ما فعل، فاستعد للحرب التي لم تعد خافية.
جمع العمونيون حلفاءهم من الآراميين، دفعوا ألف وزنة من الفضة لاستئجار مركبات وفرسان من آرام النهرين وآرام معكة وصوبة. اجتمعت الجيوش عند مدخل مدينة ميدبا، تلمع دروعهم تحت شمس الصيف الحارقة، وتتطاير غبار خيولهم في الفضاء.
علم يوآب قائد جيش داود بالخطر المحدق، فسار بجيشه الجرار حتى وصل إلى مواجهة الأعداء. وجد الجيش العموني قد خرج من المدينة واستعد للمعركة عند الباب، بينما وقف الآراميون في الصحراء منفصلين عنهم. رأى يوآب نفسه بين فكي كماشة، فاتخذ قراراً حاسماً.
اختار نخبة من رجاله الأشداء ووضعهم تحت قيادة أخيه أبيشاي لمواجهة الآراميين، أما هو فقاد بقية الجيش لقتال العمونيين. وقال لأخيه: “إذا اشتد الآراميون عليّ فسأرسل إليك نجدة، وإذا اشتد العمونيون عليك فسأكون عوناً لك. ليكن الله معنا، ولنصنع نحن ما يقويه أيدينا”.
زأر الجيشان كأسدين جريئين، والتقى الصفان في معركة طاحنة. كان صوت السيوف يعلو فوق صوت الصراخ، ودماء القتلى تروي تراب الأرض العطشى. هزم يوآب وجيشه العمونيين فولوا مدبرين إلى داخل المدينة، بينما هرب الآراميون أمام أبيشاي ورجاله.
رأى هدد عزر ملك صوبة أن الهزيمة لحقت بجيشه، فجمع فلول جنده وجمع جيشاً أكبر من سابقه. عبروا نهر الأردن بقيادة شوبك قائد جيش هدد عزر، ونزلوا في حيلام.
علم داود بالاستعدادات الجديدة، فجمع كل إسرائيل واجتاز الأردن إلى حيلام. اصطف الجيشان أمام بعضهما، وبدأت المعركة التي قررت مصير المنطقة. كان داود نفسه يشرف على القتال، وتحت قيادته المباشرة، انكسر الآراميون وانطلق الإسرائيليون يطاردونهم.
سقط من الآراميين سبعة آلاف مركبة وأربعون ألف راجل، وقتل شوبك قائد جيشهم. رأى جميع الملوك الذين كانوا تحت حكم هدد عزر أنهم انكسروا أمام إسرائيل، فطلبوا السلام وخنعوا لداود. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الآراميون يجسرون على مساعدة العمونيين بعد.
أما حنون وعمون، فقد أدركوا أنهم بقوا وحدهم في مواجهة جيش داود المنتصر. عاد داود بجيشه إلى أورشليم، بينما ظل العمونيون محاصرين في مدينتهم، ينتظرون مصيرهم الذي أصبح محتوماً، كمن ينتظر سقوط النيزك من السماء.




