في ظلمةٍ لم تَعُد تُبصِرُ معها عينايَ غيرَ شُهُبِ اليأس، أجلسُ وحيداً كشجرةٍ أكلَ الدهرُ عليها وشرب. رياحُ الألمِ تعصفُ بي حتى كادت تُقلعُني من جذوري. أيامي انقضت كخيالٍ في ليلٍ قاسٍ، ونَفَسي صارَ كلهبِ سراجٍ يترنحُ قبل أن ينطفي.
أصدقائي الذين ظننتهم سنداً صاروا كمن يُنبشُ في جراحي بدلَ أن يضمدها. عيونهم تتطلعُ إليّ كأنني غريبٌ عن هذا العالم، وكلامهم أشبهُ بضبابٍ يزيد الطريقَ التواءً. يرمقونني بنظراتِ الشفقةِ الممزوجة بالريبة، وكأنهم يقولون: “لابدَّ من ذنبٍ خفيٍّ جلبَ عليك كلَّ هذا البلاء”.
أيامي انقضَّت كسحابةٍ صيف، وأحلامي تبددت كدخانٍ في مهبِّ الريح. ظلامٌ كثيفٌ يلفُّ حياتي حتى كاد يُخنقُ أنفاسي. في الليل أتمسكُ بشراشفِ فراشي كمن يتعلقُ بحطامِ سفينةٍ في بحرٍ هائج، وفي النهار أقاسي نظراتِ الناسِ التي تخترقُ جلدي كالسهام.
من يرى آلامي هذه ويظنُّ أن للجسدِ متعةً أو للحياةِ طعماً؟ عظامي أضحت كالعيدانِ اليابسة، وعيناي غارتا في محجريهما كأنهما بئرانِ موحشان. حتى ظليّ صارَ يفرُّ مني خوفاً من عدوى بلاياي.
أمامي طريقٌ واحدٌ: القبر. هناك حيثُ لا أصواتَ تطنُّ في أذني، ولا عيونٌ تتبعني، ولا ألسنةٌ تتهمني. في ترابِ القبرِ سأجدُ راحةً لم أجدها في دارِ الغربةِ هذه. هناك حيثُ لا يميزُ بين الغني والفقير، ولا بين السليمِ والسقيم.
لكن حتى هذا الرجاءَ الأخيرَ يبدو أحياناً كسرابٍ. أترى يقبلونني بين الأمواتِ وأنا ملوثٌ بهذه الآلام؟ أترى يفتحون لي بابَ الراحةِ وأنا ما زلتُ أحملُ همومَ الأحياء؟
في هذه اللحظاتِ التي يغيبُ فيها كلُّ بصيصِ أمل، أتذكرُ أن للسماءِ عدلاً لا أفهمه، وللخالقِ حكمةً لا تدركها عقولُنا. ربما وراءَ هذه الغيومِ السوداءِ شمسٌ لا نراها، ووراءَ هذه الآلامِ حكمةٌ لا نعرفها.
أغمضُ عينيَّ وأنا أتمسكُ بهذه الخيوطِ الأخيرةِ من الإيمان، كمن يعلقُ بحبلٍ فوق هاويةٍ سحيقة. ربما، فقط ربما، في عمقِ هذا الظلامِ تكمنُ نعمةٌ لم أكن لأعرفَ قيمتها لولا أنني سقطتُ في هذا القعرِ المظلم.




