الكتاب المقدس

شيخ وترانيم الأبد

في ظلّ الغسق البنفسجي الذي يلفّ جبال يهوذا، يجلس شيخٌ متقدّم في السنّ على مقعد من حجر مُشظّى، تعلوه ندوب السنين. تتهادى أصابعه المرتعشة فوق لفافة جلدية بالية، كأنّما يلمس ذاكرته نفسها. الهواء حاملٌ لعطر الزعتر البريّ الممزوج برائحة التراب العتيق بعد مطرٍ عابر.

لم يكن يبحث عن عزاءٍ في هذا المكان المتوحّش، بل عن حوارٍ قديم مع صوتٍ يعرفه منذ كان فتى رضيعًا بين ذراعي أمّه. يتذكّر كيف كانت تغنّي له ترانيم داود وهي تهزّه تحت سماء مرصّعة بالنجوم في برية بئر السبع. الآن، بعد أن صار شعره أبيض كزبد البحر، وبعد أن صار أعداؤه يتهامسون عند الباب: “الله قد تركه”، يجد نفسه يعود إلى تلك الترانيم كمن يعود إلى ينبوع في صحراء قاحلة.

“إليكَ يا ربّ احتمي، فلا أخزى إلى الأبد” همسَ بصوتٍ أجشّ كحفيف الأوراق اليابسة. العظام تؤلمه، والعينان لم تعودا تبصران كالسابق، لكنّ هناك يقينًا ما ينبض في أعماقه كنبض القلب تحت الرمال. يتذكّر أيّام الشباب حين كان يرعى غنم أبيه، وكيف مرّ عليه صموئيل النبي فمسح جبينه بالزيت. كم مرّة نجاه الله من كمين القبائل المعادية، ومن أفاعي البراري، ومن الجفاف الذي كان يهدّد القطيع.

يرفع وجهه المتجعد نحو السماء، وكأنّه يحدّث رفيقًا قديمًا: “على يديكَ اعتمدتُ منذُ بطني. مِن رحم أمّي أنتَ مُنتشلي”. يبتسم وهو يتخيّل أمّه وهي تهمهم بالصلاة عليه كلّما خرج إلى البرية. لم تكن كلماتها مجرّد أمنيات، بل كانت جذورًا تمدّده نحو مصدر الحياة.

وفي لحظة صفاء، يبدأ بترتيل كلماتٍ جديدة، كأنّما ينقلها من قلب السماء إلى لسانه: “لا تطرحني في زمان الشيخوخة. إذا تخلّت قواي فلا تتخلّ عنّي”. يسمع في البعيد عواء ذئاب، ويشعر ببرد الليل يقترب، لكن هناك دفءٌ غريب يملأ حواسّه. كأنّما يدٌ غير مرئية تضع على كتفيه رداءً من الطمأنينة.

يتحدّث إلى الربّ كما يحدّث الحفيد جدّه: “يا من جعلتني آيةً للكثيرين، لا تتركني الآن”. يتذكّر كيف كان الشباب يتجمّعون حوله ليسمعوا حكايات الإيمان، والآن ها هم أولئك الشباب قد شاخوا هم أيضًا، وبعضهم رحلوا. لكنّ السؤال يظلّ قائمًا: هل تنتهي القصة عندما تضعف الجسد؟

فجأة، كما لو أنّ نسمةً مقدّسة مرّت على وجهه، يبدأ بترنيم نشيد جديد. صوته يرتجف قليلاً لكنّه ممتلئٌ بشجاعة غريبة: “أيها الرب الإله، علّمني منذ شبابي حتّى الآن، فأخبر بقدراتك لكلّ مَن يأتي بعدي”. يرى في مخيّلته أحفاده وأحفاد أحفاده، ويريد أن يورثهم ليس مجرّد ذكريات، بل يقينًا حيًا.

النجوم الآن تملأ السماء، والبرد يشتدّ، لكنّ الشيخ لم يعد يشعر بالوحدة. يرفع صوته بترنيمة ختامية، كأنّما يوقّع على عهد أبدي: “أنت الذي أراني شدائدًا وكربًا، ستعود فتحييني، وتُصعدني من أعماق الأرض. ستعظمني وتعنّيني”. يمسك بعصاه ويقف متكئًا عليها، عيناه تلمعان في الظلام. يعرف أن القصّة لم تنتهِ بعد، وأنّ الترانيم التي تعلّمها في حضن أمّه ستظلّ تتردّد في أذنيه حتى اللحظة الأخيرة، حين يسلّم الروح بين يدي مَن غنّى له منذ البداية.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *