كان الشيخ نعمان يجلس تحت شجرة تين عتيقة، ظلها يتسع كرداء أمير. في يده اليمنى مخطوطة بالية، وفي عينيه بريق يعرفه أبناء القرى المجاورة. اجتمع حوله الصغار والكبار كما يفعلون كل مساء جمعة، ينتظرون حكايته.
تنهد الشيخ نعمان تنهدة طويلة، ثم ابتسم ابتسامة تعرف طريقها إلى القلوب. قال: “أيها الأحباء، اسمعوا اليوم قصة تسبحة عمرها آلاف السنين، لكن عطرها لا يزال يفوح في قلوب المؤمنين”.
بدأ صوته يرتفع وينخفض كموج البحر: “سبحوا الرب، سبحوا اسم الرب. سبحوا يا جميع عبيد الرب، الواقفين في بيته، في ديار بيت إلهنا”.
توقف قليلاً كمن يتذوق حلاوة الكلمات، ثم واصل: “إنه لخير أن نسبح الرب، ولذة أن نرنم لاسمك أيها العلي. لأن الرب قد اختار يعقوب لنفسه، وإسرائيل لخاصته”.
أخذ الشيخ يستطرد في سرد القصة، يصف عظمة الخالق في السماء والأرض: “هوذا أنا قد عرفت أن الرب عظيم، وأن ربنا فوق جميع الآلهة. كل ما شاء الرب فعله، في السماوات وعلى الأرض، في البحار وفي كل اللجج”.
رفع يده إلى السماء وكأنه يشير إلى شيء غير مرئي: “هو الذي يصعد السحاب من أقاصي الأرض، الذي يصنع بروقًا للمطر، الذي يخرج الريح من خزائنه”.
ثم انحنى كأنه يهمس بسر عظيم: “هو الذي ضرب أبكار مصر، من الإنسان إلى البهيمة. أرسل آيات وعجائب في وسطك يا مصر، على فرعون وعلى جميع عبيده”.
تغيرت نبرة صوته فجأة، أصبحت أكثر قوة ووضوحًا: “هو الذي ضرب أممًا كثيرة، وقتل ملوكًا أقوياء: سيحون ملك الأموريين، وعوج ملك باشان، وكل ممالك كنعان”.
اهتزت لحية الشيخ نعمان مع حركة رأسه: “وأعطى أرضهم ميراثًا، ميراثًا لإسرائيل شعبه. يا رب، اسمك إلى الأبد، وذكرك إلى دور فدور”.
ساد صمت عميق، ثم همس الشيخ: “لأن الرب يدين شعبه، وعلى عبيده يترأف”.
رفع عينيه نحو الجمع وقال بصوت خافت لكنه واضح: “أما أصنام الأمم فضة وذهب، صنعة أيدي الناس. لها أفواه ولا تتكلم، لها عيون ولا تبصر، لها آذان ولا تسمع، ولا هو نسمة في أفواهها”.
ثم أشار بيده إلى المخطوطة: “مثلها يكون صانعوها، وكل من يتكل عليها”.
انتهى الشيخ نعمان من قصته، لكن أحد الأطفال سأله: “يا شيخ نعمان، لماذا نستمر في تسبيح الرب بعد كل هذه السنين؟”
ابتسم الشيخ ابتسامة عريضة: “يا بني، لأن التسبحة مثل النهر، تبدأ من الجبل وتستمر إلى البحر. نحن أبناء التسبيح، وأحفاد التسبيح، وسنبقى نرفع أصواتنا كما فعل أجدادنا. بيت إسرائيل باركوا الرب، بيت هرون باركوا الرب، بيت لاوي باركوا الرب. يا أيها المتقون الرب باركوا الرب”.
تفرق الجمع مع غروب الشمس، وكلمات التسبحة لا تزال تتردد في أذهانهم، كأنها نغم قديم يعرفونه منذ الأزل، وكأنهم سمعوا حفيدًا من أحفاد داود يردد في أورشليم: “سبحوا الرب لأن الرب صالح، رنموا لاسمه لأن ذلك حلو”.




