الكتاب المقدس

حكيم الزيتون وإيليا العجوز

كان يا ما كان في قديم الزمان، في قرية صغيرة بين التلال، رجل عجوز يدعى إيليا جلس تحت شجرة زيتون يتأمل حكمة الأيام. كانت أشعة الشمس الأخيرة تتسلل عبر الأغصان كخيوط ذهبية، وتلامس وجهه المتجعد الذي شهد ثمانين حصاداً.

في تلك اللحظة، سمع إيليا ضجةً قادمة من بيت جاره. صراخ وتهديدات، ثم صوت آنية تنكسر. تنهد الرجل العجوز وأغلق عينيه متذكراً كلمات سليمان الحكيم: “أَفْضَلُ لُقْمَةٍ يَابِسَةٍ مَعَ هُدُوءٍ مِنْ بَيْتٍ مَمْلُوءٍ ذَبَائِحَ مَعَ خِصَامٍ”.

في الطرف الآخر من القرية، كان شابٌ طموح يدعى عامر يحاول اكتساب نفوذ بين أهل القرية. جمع حوله مجموعة من الشباب، يعدهم بالغنى والسلطة. لكن إيليا كان يعلم أن “الْعَبْدُ الْفَطِنُ يَتَسَلَّطُ عَلَى الاِبْنِ المُخْزِي”، وكان يرى في عيني عامر طموحاً أعمى سيقوده إلى الهاوية.

وفي صباح اليوم التالي، بينما كان إيليا يسير إلى السوق، رأى رجالاً يحملون هدايا فاخرة إلى منزل القاضي. تذكر الحكمة: “الرَّاشِي يَعْطِي وَالْمُرْشِدُ يَكْثُرُ الْعَطَاءَ، وَهُوَ لِصَقَاقٍ يُقَلِّبُ الْكَلِمَ”. همس لنفسه: “الحق لا يُشترى بالذهب، والعدل لا يُباع في الأسواق”.

عند البئر، وجد إيليا صديق عمره سليم جالساً وحيداً، عيناه تفيضان بالحزن. اقترب منه وسأله بلطف: “ماذا يحزنك يا أخي؟” فأجاب سليم: “ابني… ترك البيت وقال إنه لن يعود”. ضرب إيليا على كتفه برفق قائلاً: “اِبْنٌ فَطِنٌ يَسُرُّ أَبَاهُ، وَابْنٌ جَاهِلٌ هُمٌّ لأُمِّهِ. لكن تذكر أن الْصَّدِيقُ يُحِبُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالأَخُ وُلِدَ لِشِدَّةٍ”. فابتسم سليم شاكراً، وعرف أن الصداقة الحقيقية هي التي تبقى في أوقات الشدة.

وفي المساء، بينما كان إيليا يعود إلى بيته، سمع صوت بكاء خافت. تبع الصوت فوجد طفلاً صغيراً مختبئاً خلف شجرة، يبكي لأنه كسر مزهرية أمه وخاف من عقابها. جلس إيليا بجانبه وحكا له قصة عن طفل اعترف بخطئه فغفرت له أمه ومكافأته على صدقه. فقال الطفل: “لكن أبي يقول إن الاعتراف بالخطأ ضعف”. فأجاب إيليا: “مَنْ يُوَارِي خَطِيَّةً يَطْلُبُ مَحَبَّةً، وَمَنْ يُكَرِّرُ أَمْراً يُفَرِّقُ بَيْنَ الأَصْدِقَاءِ”. فجففت دموع الطفل وعاد إلى بيته شجاعاً.

وفي الليلة التالية، اجتمع شيوخ القرية ليناقشوا مشكلة سرقة متكررة في المنطقة. كان كل منهم يتهم الآخر بالتقصير. وقف إيليا وقال: “الْفَطِنُ الْعَقْلِ يُصْغِي إِلَى شَفَتَيْ عِلْمٍ”. اقترح تشكيل مجموعة حراسة من الشباب بدلاً من تبادل الاتهامات. فتعجب الجميع من بساطة الحل وفعاليته.

وفي نهاية الأسبوع، مرضت حفيدة إيليا الصغيرة. ظل جالساً بجانبها طوال الليل، يقرأ لها المزامير ويمسح جبينها المحموم. كانت تعلم أن “وُلِدَ الْجَاهِلُ لِذُلِّهِ”، لكنها رأت في عيني جدها كل الحكمة والحب، فشعرت بالأمان.

وعندما شفيت، سألته: “لماذا يسمح الله بالألم يا جدي؟” فأجابها: “بُوتَةُ الْفِضَّةِ لِلْبُوتَةِ، وَالذَّهَبُ لِلْمَسْبُوكِ، وَمُجَرِّبُ الْقُلُوبِ الرَّبُّ”. ففهمت أن الألم مثل النار التي تنقي الذهب من الشوائب.

وفي صباح أحد الأيام، سمع إيليا أن عامر الشاب الطموح قد خسر كل ما جمعه، وهرب من القرية مديناً. تذكر قول الحكيم: “مُرْتَفِعُ الْفِكْرِ يَطْلُبُ الْكِبْرِيَاءَ، وَكُلُّ جَاهِلٍ هَكَذَا”. ثم نظر إلى تلاميذه الشباب الذين كانوا يجلسون حوله وقال: “أَمَامَ الْهَلاَكِ يَرْتَفِعُ قَلْبُ الإِنْسَانِ، وَأَمَامَ الْكَرَامَةِ الاتِّضَاعُ”.

ومع مرور السنين، أصبح تلاميذ إيليا حكماء القرية، ينشرون العدل والحكمة. وكانوا يتذكرون دائماً دروس معلمهم: أن البيت المملوء محبة خير من القصر المليء خصاماً، وأن الصديق الحقيقي يظهر في وقت الشدة، وأن القلب النقي أثمن من كل كنوز الأرض.

وفي آخر أيام إيليا، جمع أحفاده حوله وقال: “اِحْفَظُوا هذه الحكم في قلوبكم كما تحفظون النار في الشتاء. لأن الْحِكْمَةُ للرُّوحِ كَالنُّورِ للعَيْنَيْنِ، وَالْفَهْمُ للقَلْبِ كَالْمَاءِ لِلْأَرْضِ الْعَطِشَى”. ثم أغمض عينيه مبتسماً، راضياً عن رحلة عمره التي قضاها في زراعة الحكمة في قلوب الأجيال القادمة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *