ذهبَت رُوحي معَها حينَ غابَت عن عيني. بحثتُ عنها في المُرتفعاتِ والخُلوات، بينَ أشجارِ الرّمانِ وأسرابِ الحَمام. سألتُ البستانيّينَ: “ألم تَرَوها، حبيبتي التي تَفوقُ بناتِ أورشليمَ جمالاً؟” فصَمَتوا كأنّهم لم يسمعوا.
حتّى وجدتُها أخيراً بينَ أشجارِ النّخيل، تَقطُفُ مِن بُقولِ الجنّة. كانتْ كالسّوسَنَةِ البيضاءِ بينَ الأشواك، كالفجرِ يَشقّ ظلامَ اللّيل. انحَنَت فوقَ النّهرِ لتَملأَ جَرتَها، فانْكَسَرَ القمرُ في الماءِ تحتَ قدميها.
قالَت لي بصوتِها الذي يُذيبُ الشّمعَ في قلبي: “لقد بحثتُ عنكَ في بُستانِ الجوز، تحتَ ظلالِ التّينِ المثقلةِ بالثّمار. لكنّكَ كنتَ كالطّيفِ الذي يَمرّ معَ النّسيم”.
أجبتُها وأنا ألمسُ خُصلَها السّوداءَ التي تتدفّقُ كأنّها لَيلٌ بلا نُجوم: “يا كاملةَ الجَمال، يا مَن عيناكِ كبركِ الغِزلانِ خَلفَ نقابِك، يا مَن أسنانَك كقطيعِ النّعاجِ الصّاعدِ مِن الغَسْل”.
ضحِكتْ ضحكتَها التي تَصنَعُ ربيعاً في قَلبي، وقالَت: “أتَذكرُ يومَ رأيتُكَ أوّلَ مرّةٍ عندَ مُنحَدَرِ الجبل؟ كنتَ كالتّفّاحَةِ الحمراءِ بينَ الأشجارِ البرّيّة”.
فقلتُ لها وأنا أرى شَمسَ الظّهيرةِ تتلألأ في عينيها: “أنتِ جنّتي المُغلَقة، يا عروسي، يَنبوعٌ مُختومٌ. برمانُكِ مملوءٌ أفنانٌ، معَ نباتِ الكافورِ والزّعفران”.
لم تَكدْ تلمسُ يدي يدَها حتّى تحوّلَ البستانُ حولَنا إلى مَلكوت. صارَت أشجارُ الأرزِ تَنحني كالعُشّاق، وصَوتُ الماءِ يَتلو مَزاميرَ الحُبّ. حتّى الطّيورُ في الأغصانِ توقّفت عنِ الغِناءِ كي تَسمَعَ دقّاتِ قُلوبِنا.
قالَت في همسةٍ كالطّلّ: “لنَعُدْ إلى قريتِنا يا حبيبي، لنَجلِسْ تحتَ شَجَرةِ الدّوم، نَسمَعُ حكاياتِ الجدّاتِ ونَرى أطفالَنا يلعبون”.
فأمسكتُ يدَها التي تفوحُ مسكاً، وقلتُ: “أنتِ نَخلةٌ باسِقة، وثمارُكِ حُلوةٌ لِحلقي. سأجعلُ مِن ظلّكِ مَلجأً للغرباء، ومِن حُبّكِ وطناً لا يغيب”.



