في تلك الأيام التي انكسر فيها عرش داود، وذهب مجد أورشليم أدراج الرياح، كان النبي إرميا يحمل نيراً من خشب على عاتقه. كان النير ثقيلاً، ليس من خشبه بل من رمزيته، كأنما كل ذرة من تراب يهوذا استقرت على كتفيه. تدلى الحبل الخشن من رقبته، وصار يجر قدميه في أزقة المدينة كأنه ثور يستسلم لمصيره.
كان الهيكل ما يزال قائماً، لكن حضور الرب بدأ يتباعد كضباب الصباح. وفي أحد الأيام، بينما كان إرميا واقفاً في دار الهيكل، جاء حننيا بن عازور من جبعون. كان حننيا رجلاً طاعناً في السن، لكن عينيه تتقدان بجمرة الأمل الكاذب. وقف أمام الشعب الذي تجمع كالنمل على السكر، ورفع صوته الذي اهتز كوتر مشدود: “هكذا يقول رب الجنود إله إسرائيل: إني قد كسرت نير ملك بابل. في سنتين وأنا راجع بجمعة آنية بيت الرب التي أخذها نبوخذ نصر من هذا المكان إلى بابل. وأرجع يهوكنيا بن يهوياقيم وكل سبي يهوذا إلى هذا المكان يقول الرب”.
كانت الكلمات تسقط كالبلح النضيج في أيد جائعة. رأيت عيون الشعب تتسع، ورأيت بعضهم يهمسون: “أخيراً، كلمة رحمة بعد طول وعيد”. لكن إرميا ظل صامتاً، كان ينظر إلى حننيا كما ينظر الراعي إلى السحابة التي تعد بالمطر ولا تحمل إلا الرياح.
لم يرد إرميا بالجدال أولاً، بل قال بصوته الأجش الذي يشبه حفيف أوراق الزيتون اليابسة: “آمين. ليصنع الرب هكذا. ليقم الرب كلامك الذي تنبأت به.” لكنه أضاف بعد أن أدار ظهره ليغادر: “إسمع يا حننيا، إنما الرسل الذين كانوا قبلنا تنبأوا على دول وممالك عظيمة بالحرب والشر والوبأ. النبي الذي يتنبأ بالسلام، عندما يأتي كلام النبي، حينئذ يعرف النبي أن الرب أرسله حقاً.”
كانت المواجهة بينهما كالشمس والظل في وادٍ جبلي. إرميا يمثل صوت الحق المر، وحننيا يمثل صوت الأمل المريح. وبينما كان الشعب يتناقشون في ساحات الهيكل، اقترب حننيا من إرميا وأخذ النير من على عنقه وكسره. سمع الجميع صوت الخش ينكسر كعظم ميت. ثم قال حننيا والعرق يتصبب من جبينه: “هكذا يقول الرب: هكذا أكسر نير نبوخذ نصر عن عنق كل الشعوب في سنتين.”
لم يقل إرميا شيئاً. فقط نظر إلى قطع الخشب المتناثرة على الأرض، ثم مضى في طريقه كسحابة صيف عابرة. لكن الرب كلم إرميا بعد أيام، عندما كان يصلي في بيته المتواضع عند أسوار المدينة. قال الرب له: “إذهب وقل لحننيا: نير الخشب كسرت، فاصنع عوضاً عنه نيراً من حديد.”
خرج إرميا في اليوم التالي إلى السوق حيث كان حننيا يجلس مع شيوخ المدينة. وقف أمامهم جميعاً، وعيناه تحملان ثقلاً أثقل من كل آنية الهيكل المنهوبة. قال: “إسمع يا حننيا، لم يرسلك الرب، بل جعلت هذا الشعب يتكل على الكذب. لذلك ها أنا ذا طاردك عن وجه الأرض. هذه السنة تموت لأنك علمت تمرّداً على الرب.”
لم تمض أيام حتى أصاب الحمى حننيا. رأيته في اليوم السابع وهو يسعل دماً على وسادته. مات قبل أن يكمل الشهر، ومضى إلى قبره كما تذهب الأوراق الجافة مع الرياح. وأما إرميا فظل يحمل نيره الجديد من حديد، وكان صوته يتردد في أروقة المدينة الخاوية: “الحق الحق أقول لكم، لا نبي يسرق كلمات أخيه ويبيعها للشعب كخبز ساخن.”
وفي تلك الليلة، عندما نامت أورشليم على صوت بكاء نسائها، رأيت إرميا واقفاً عند باب الهيكل يبكي. لم يكن يبكي لحننيا، بل كان يبكي لشعب آثر الكلمة الحلوة على الحق المر. وكان نير الحديد على كتفه يلمع تحت ضوء القمر كدموع الله على عنق البشر.




