كانت أريحا تتنفس غبار الذهب تحت شمس الظهيرة، حين رنّ جرس الباب الخشبي لبيت عزارا الكاتب. دخل إليه رجل أشعث الشعر، تفوح من ثيابه رائحة التين المجفّف واليأس. “سمعت أنك تحكي قصص الأنبياء”، قال الرجل وصوته كحفيف أوراق الشجر الميتة.
أومأ عزارا وهو يفرش رقعة جلد الغزال على الطاولة، ثم أخذ قلماً من قلم البوص وغمسه في دواة الحبر. “أي نبي تريد؟”
“هوشع”، همس الرجل وجلس على الحصير المُتهالك. “أخبرني عن الإصحاح السابع”.
تنهد عزارا طويلاً قبل أن يبدأ، وكأنما يستحضر من أعماق الذاكرة صوتاً قديماً…
“كان الملك يمرض في قصره بمدينة السامرة، بينما كانت المملكة تموت ببطء. لم يكن مرضاً في الجسد، بل في الروح. كانوا يضعون الوسائد تحت رأس الملك ويغطونه بأغطية من حرير دمشق، لكن الحمى كانت تأكله كالنار في الهشيم. الحمى التي أشعلوها بأيديهم”.
توقف عزارا لينظر إلى النافذة، حيث كانت غيمة سوداء تغطي جبل جرزيم. “كانوا مثل فرن مُحمى ينتظر خبز الغدر. الخبّازون هم رجال البلاط والقادة والكهنة، كل منهم يعجِن عجينته بالخيانة. في الليل، حين ينام الحراس، كانوا يشعلون النار تحت الفرن، وفي الصباح يلتهمون بعضهم بعضاً”.
سعل الرجل الأشعث وسأل: “ألم يكن هناك من ينتبه؟”
ضحك عزارا ضحكة مريرة. “كانوا كلهم مخمورين بحب السلطة، حتى أن الملك نفسه كان يشاركهم شرابهم. كانت أيديهم ملطخة بالدماء حين يرفعون الكؤوس للاحتفال. دماء الأبرياء الذين قتلوهم في دهاليز القصر”.
أخذ عزارا ينقل الحبر على الجلد بحركة متأنية، وكأنه يرسم خريطة لمدينة مفقودة. “حتى عندما كانوا يصرخون من الألم، لم يصرخوا إلى الرب. كانوا يتدحرجون على أسِرّتهم كجرحى في ساحة معركة، لكنهم يلعقون جراحهم بأنانية ولا يطلبون الشفاء. كانوا مثل قوس خادع، يطلق السهام في كل اتجاه إلا اتجاه الحق”.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، ثم تابع عزارا: “كانت وجوههم سوداء من دخان أفرانهم، وألسنتهم ملتوية كالأفعى حين يتكلمون بالكذب. الدول المجاورة كانت تضحك عليهم، فرعون في مصر وآشور في الشمال، الجميع كان يعلم أنهم كبيت من ورق سيَسقُط”.
“وأين كان الرب في كل هذا؟” همس الرجل وكأنه يخاف من الإجابة.
أشار عزارا بإصبعه إلى نقش على الجدار يصور حمامة تهاجر جنوباً. “كان كالربيع الذي يهرب من أرض لا تعرف الشكر. كانوا يصرخون لكن ليس إليه، يطلبون الخلاص لكن من الأصنام. مثل طائر يرفرف بجناحيه بلا اتجاه، يحاول الطيران لكنه يقع في الشباك التي نسجها بنفسه”.
انحنى الرجل الأشعث على الرقعة ليقرأ ما كتبه عزارا، ثم ارتعشت شفتاه. “هذه قصتنا… قصة مملكتنا اليوم”.
أومأ عزارا وهو يطوي الرقعة ببطء. “نعم، هوشع لم يكتب عن زمن مضى فقط، بل عن زمن يعود دائماً. عن شعب ينسى أنه محبوب، فيلهث وراء رياح تهب من كل اتجاه إلا اتجاه البيت”.
خرج الرجل من الباب وهو يحمل الرقعة كأنها طفل مريض، تاركاً عزارا يجلس في الظل المتزايد. كانت الشمس قد بدأت بالغروب، تاركة خلفها لوناً أحمر كالنار التي تحدث عنها هوشع، نار تلتهم كل شيء إلا القلب الذي يتذكر.




