كانت ريحٌ حارقةٌ تهبّ على سفوح الجبال، تحمل في ثناياها عبق التراب المحروق وأصواتًا قديمةً كأنها همسات من زمنٍ غابر. في أرض يهوذا، حيث تتهاوى أحجار البيوت تحت وهج الشمس، كان الشيخ عاموس يجلس في ظلّ شجرة زيتون هرمة، يحدّق نحو الأفق حيث تلوح أبراج نينوى ككابوسٍ لا ينتهي.
كان قلبه مثقلاً كسحابة صيفٍ لا تمطر. تذكر كيف سمع من والده عن جبروت تلك المدينة، عن جيوشها التي تطحن العظام، عن صراخ الأبرياء في أسواقها. لكنّ شيئًا آخر كان يتردد في أذنه، كصوت ماءٍ جارٍ تحت الصخور: “الرَّبُّ إِلَهُ غَيُورٌ وَمُنْتَقِمٌ، الرَّبُّ مُنْتَقِمٌ وَذُو سَخَطٍ”.
أغلقت عينيه ورأى في ظلام جفنيه نهر دجلة يحمل سفنًا سوداء، ورأى وجوه القادة الآشوريين وقد تشوّهت بغطرسة القوة. لكن فجأةً، كبرقٍ يقطع الظلمة، تذكر الكلمات المقدسة: “الرَّبُّ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَعَظِيمُ الْقُوَّةِ”.
هبت عاصفةٌ مفاجئةٌ من الجنوب، حملت معها رائحة المطر البعيد. ارتجفت أوراق الزيتون وكأنها تهمس بصلاة. نظر عاموس إلى السحب السوداء المتجمعة فوق الجبال، فرأى فيها مركبة الله تسير في العاصفة، الغيوم غبارٌ تحت قدميه.
“في الزَّلْزَلِ وَالْعَاصِفِ طَرِيقُهُ” تمتم بشفتين جافتين. شعر بارتعاشة تمر في جسده، ليس من الخوف، بل من هيبة اللحظة. تذكر كيف كان جده يروي أن الرب يمشي في العواصف، لكن قدميه لا تصدران صوتًا.
سقطت أولى قطرات المطر، ثقيلةً كدموع التوبة. رأى عاموس في خياله جدران نينوى العظيمة وهي تتهاوى كقلوب متكبرة، رأى الأبراج التي بناها القساة تنحني كأعناق المذنبين. “بِالنَّارِ يُحْرَقُ مَرْكَبَاتُهَا” همس، وكأنه يرى النيران تلتهم عربات الحرب الآشورية التي طالما أرعبت الأمم.
لكن فجأةً، كما تبدأ نغمة جديدة في ترنيمة قديمة، تغيرت نبرة صوته الداخلي. تذكر الكلمات التي تلي الغضب: “الرَّبُّ صَالِحٌ، حِصْنٌ فِي يَوْمِ الضِّيقِ، وَهُوَ يَعْرِفُ الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ”.
نظر إلى القرية الصغيرة تحت الجبل، إلى الأطفال يلعبون في المطر، إلى النساء يعدّن الخبز في البيوت الطينية. هنا، في ظلّ الغضب الإلهي، وجد سلامًا غريبًا. عرف أن هذه العاصفة التي تحمل دينونة للأشرار، تحمل أيضًا خلاصًا للصادقين.
بينما كانت السماء تزمجر والريح تعوي، جثا الشيخ عاموس على ركبتيه، واضعًا جبينه على الأرض الرطبة. لم يعد يخاف من نينوى ولا من جيوشها، فقد أدرك أن هناك قوة أعظم من كل قوى الأرض، عدالة أعمق من كل ظلم البشر.
“يا من يمشي في العاصفة ويحمل البرق في يده” صلى بصوت خافت “احمِ هذه القرية الصغيرة، احفظ قلوبنا من الغطرسة، واذكرنا عندما تأتي النار”.
وبينما كان المطر يغسل تراب القرية، شعر أن غضب الله مثل هذا المطر: يدمّر ويُنعش، يعاقب وينظف، يهزّ الأرض لكنه يروي العطشى. عاد إلى كوخه وهو يعرف أن نينوى ستسقط، لكنّ العدل الإلهي سيبقى إلى الأبد، كجبلٍ شامخٍ لا تتزعزع قمته في وجه أي عاصفة.




