الكتاب المقدس

تجربة المسيح في البرية

كانت الشمس تلهب وجه الصحراء بنار لا ترحم، وحبات الرمل تتطاير كشرر متطاير تحت وطأة الرياح الحارقة. وكان يسوع هناك، وحيداً بين كثبان لا نهاية لها، يصارع الجوع الذي يشبه سكيناً في أحشائه. أربعون يوماً وأربعون ليلة لم يذق فيها طعاماً، وكان جسده قد صار هشيماً كالظل، لكن عينيه كانتا تشعان بنور لا ينتمي إلى هذا العالم.

وفي اليوم الأخير، عندما بلغ الجوع ذروته، تقدم إليه المجرب وقال بصوت ناعم كالحرير المسموم: “إن كنت ابن الله، فقل لهذه الحجارة أن تصير خبزاً”.

ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتي يسوع المتشققتين. كان يعرف أن القوة بين يديه، كان يعرف أنه قادر على تحويل جبال الصحراء كلها إلى موائد عامرة. لكنه تذكر كلمات التثنية التي حفظها منذ طفولته، تلك الكلمات التي تنبض بالحياة: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله”.

لم يكن رده مجرد اقتباس من النص المقدس، بل كان صرخة إيمان تخرج من أعماق روحه. لقد اختار أن يبقى جائعاً بدلاً أن يشك في عناية الآب.

ثم اختفى المشهد فجأة، وكأن الريح حملتهم إلى مكان آخر. وجدوا أنفسهم في أورشليم، واقفين على جناح الهيكل، حيث الحجارة القديمة تشهد على قرون من الإيمان والخطيئة. أسفلهم، كان الناس يتحركون كالنمل في ساحة الهيكل.

وهنا حاول المجرب مرة أخرى، متقمصاً دور المفسر الحكيم: “إن كنت ابن الله، فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصطدم بحجر رجلك”.

كانت الحجج دينية هذه المرة، مبطنة بآيات الكتاب. لكن يسوع رأى الخدعة وراء القناع. لقد كان التجربة أعمق هذه المرة: تجربة استخدام القوة الإلهية للاستعراض، لاختبار محبة الله كما يختبر الطائر قوة الجناح.

فأجاب بصوته الهادئ الذي يحمل قوة الأبدية: “مكتوب أيضاً: لا تجرب الرب إلهك”.

كانت الضربة قاسية. لقد قطع حجج المجرب بنصل الحق.

ثم جاءت المحاولة الأخيرة، الأكثر فظاعة. صعد به إلى جبل شاهق، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها في لمحة واحدة. كانت المدن الذهبية والجيوش الجرارة والعراش المرصعة بالجواهر، كل مجد العالم الزائل مكشوفاً كسجادة تحت أقدامهم.

وقال له الشيطان، وهذه المرة بصراحة مطلقة: “أعطيك هذه جميعها، إن خررت وسجدت لي”.

هنا لم يعد هناك مكان للتفاوض. كانت المعركة الحقيقية. نظرة واحدة فقط، انحناءة صغيرة، وكل سلطان الأرض يصبح ملكاً له. لكن يسوع رأى خلف التاج الشوكي المخفي تحت تاج الذهب.

فصرخ بصوت يملأ الفضاء: “اذهب يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد”.

فتركه إبليس، وإذا ملائكة قد جاءت تخدمه. لم تكن خدمتهم طعاماً فقط، بل كانت عزاءً للروح بعد المعركة. جلس يسوع بينهم، والرياح تعزف لحناً جديداً، لحن النصر.

بعد ذلك، عندما سمع بأن يوحنا ألقي في السجن، ترك الناصرة وجاء إلى كفرناحوم. كانت المدينة تنبض بالحياة عند بحر الجليل، حيث القوارب تتمايل على المياه الزرقاء، وصيادون يصلحون شباكهم على الشاطئ.

رأى هناك أخوين، سمعان الذي يدعى بطرس وأندراوس، يلقيان الشبكة في البحر. ناداهما: “اتبعاني فأجعلكما صيادي الناس”. فتركا الشباك في الحال وتبعاه.

وتقدم أكثر فرأى أخوين آخرين، يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه، في السفينة مع أبيهما يصلحان الشباك. دعاهما أيضاً، فتركا السفينة وأباهما وتبعاه.

كانت هناك سرعة في الاستجابة، وكأن قلوبهم كانت تنتظر هذه اللحظة منذ الأبد. لم يكن الأمر مجرد ترك مهنة، بل كان بداية رحلة جديدة، رحلة ستملأ العالم نوراً.

وهكذا بدأت القصة الحقيقية، قوة الملكوت تتحرك في عالم الظلمة، والنور يشرق على القاطنين في ظلمة الموت. كل شيء بدأ من صحراء مقفرة، حيث رفض رجل جائع أن يتنازل عن هويته، فغير مصير البشرية إلى الأبد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *