في تلك الأيام، حين كان الجمع يزدحم حوله كالنحل على موائد الرحيق، سمعنا يسوع يقول بتعبٍ ظاهر في صوته: “إنَّني أشفق على هذا الجمع. ها هم قد بقوا معي ثلاثة أيام وليس لهم ما يأكلون. وإن صرّفتهم إلى بيوتهم صائمين ينقطعون في الطريق، وبعضهم قد جاء من بعيد.”
كانت الشمس تميل نحو الغرب، تلقي بظلالها الطويلة على وجوه المستمعين المتعَبين. رائحة التراب والعرق تمتزج مع نسمات بحيرة الجليل. تبادلنا النظرات، نحن التلاميذ، وكأننا نسأل أنفسنا: من أين لنا بخبز في البرية مثل هذه؟
تقدم بطرس وهو يمسك بحافة عباءته المتربة: “يا معلم، كيف يمكن أن يشبع أحد هؤلاء ها هنا في القفر؟” كان صوته يحمل ذلك المزيج المعتاد من الإيمان والحيرة.
نظر يسوع إلى البحر البعيد، حيث كانت أمواجه تتلاطم بصمت. ثم التفت إلينا، وعيناه تحملان ذلك العمق الذي لا يُسبر. “كم رغيفاً عندكم؟”
أجاب فيليبس بعد أن تفحص سلالنا المتواضعة: “سبعة، يا سيدي. وبعض السمكات الصغار.”
أمرنا أن نجعل الجمع يتكئ على العشب الأخضر الذي نما بعد أمطار الربيع. كان المشهد يذكرني بموسم الحصاد في الجليل، حين تنتشر العائلات على السفوح. جلس الناس متحلقين كما تجلس الأغنام حول الراعي.
أخذ يسوع الأرغفة والسمكات، ورفع عينيه إلى السماء. لا أنسى كيف كانت نبرة تسبيحه تنساب كالنهر الهادئ. ثم كسر الخبز وأعطانا، فبدأنا نوزع على الجمع. كانت أيادينا تملأ وتفرغ وتمتلئ من جديد، كإناء لا ينضب.
أكل الجميع حتى شبعوا، وجمعنا ما فضل من الكسر سبعة سلال. نظر أحدهم إلى جاره المتشبع وقال: “هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم.”
لكن يسوع، بعيداً عن هتافات الجمع، كان يحثنا على العبور إلى الضفة الأخرى. في القارب، بينما كانت الأمواج تتمايل بنا بلطف، همس توما: “لقد رأينا اليوم ما لم تره عيون الأنبياء.”
فجأة، قطع صمت البحر صوت يسوع الجاد: “انظروا! احذروا خمير الفريسيين وخمير هيرودس.”
تطلعنا إلى بعضنا في حيرة. أتراه يعنينا لأننا لم نحضر خبزاً كافياً؟ كان بطرس يهمس لي: “ربما غضب لأننا نسينا أن نشتري خبزاً من القرية.”
فعلم يسوع ما في قلوبنا وقال: “لماذا تتجادلون لأن ليس عندكم خبز؟ ألا تدركون بعد؟ أما زالت قلوبكم قاسية؟ أعين لكم ولا تبصرون؟ آذان لكم ولا تسمعون؟ ألا تذكرون؟ حين كسرت الخمس خبزات للخمسة الآلاف، كم قفة مملوءة كسرة رفعتم؟”
أجابنا خجلين: “اثنتا عشرة قفة.”
“وحين كسرت السبعة للاربعة الآلاف، كم سلة مملوءة من الكسر رفعتم؟”
قلنا: “سبع سلال.”
فقال بصوته الذي يهز الأعماق: “أفلا تفهمون بعد؟”
كانت الشمس قد غابت، تاركة خلفها شفقاً أرجوانياً. توقف الجدال بيننا. أدركنا أن الحديث لم يكن عن خمير الخبز، بل عن تعاليم القادة الذين يحرفون كلمة الله.
وفي طريقنا إلى قيصرية فيلبس، بينما كنا نسير بين أشجار الصنوبر، توقف فجأة وسألنا: “من يقول الناس إني أنا؟”
أجاب يوحنا: “يقول بعضهم إنك إيليا، وآخرون يقولون إنك أحد الأنبياء.”
نظر إلى كل منا، وكأنه يبحث عن شيء في أعماقنا. “وأنتم، من تقولون إني أنا؟”
تقدّم بطرس، وعيناه تشعان كجمرتين في الظلام. “أنت المسيح ابن الله الحي.”
لم أنسَ قط كيف ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتي يسوع. ثم بدأ يشرح لنا بألم كيف يجب أن يذهب إلى أورشليم، ويتألم كثيراً، ويُرفض من الشيوخ، ويُقتل، ثم يقوم بعد ثلاثة أيام.
كانت كلماته تسقط كالحجارة الثقيلة على قلوبنا. أمسك بطرس بذراعه محاولاً أن يردعه: “حاشاك يا رب! لا يكون هذا لك!”
لكن نظرة يسوع إليه جعلت الهواء حولنا يتجمد. “اذهب عني يا شيطان! لأنك لا تهتم بما لله، بل بما للناس.”
صمتنا كان أعمق من صمت القبور. ثم نظر إلى الجمع الذي كان يتبعنا، ونادى بصوته الذي يثقب الروح: “إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. لأن من أراد أن يخلص حياته يهلكها، ومن يهلك حياته من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها.”
كانت النجوم قد بدأت تظهر في سماء الليل، وكانت كلماته الأخيرة تتردد في أذني كما يتردد صدى الجبل: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟”
بقينا واقفين هناك، تحت ظلال الأشجار، نشعر أننا أمام مفترق طرق لا رجعة عنه. كانت نسائم الليل تحمل معها رائحة المستقبل المجهول، ورائحة الفداء القادم.




