الكتاب المقدس

الغنى الحقيقي والوديعة الأمينة

كان الضوء الأخير للنهار يتسلل عبر شقوق جدران الكوخ الطيني، يرسم خطوطاً ذهبية على وجه الرجل العجوز الجالس في الزاوية. كان يداه ترتعشان قليلاً وهو يمسك برقعة جلديّة بالية، لكن عينيه الزرقاوين كانتا ثاقبتين كنجمتين في ليلة صافية. اسمه أليشع، وكان يتنفس بصعوبة، وكأن كل كلمة ستخرج من فمه قد تكلّفت جهداً لا يُطاق.

على الأرض المجاورة له، جلس تيموثاوس الشاب، يراقب أستاذه بقلق بالغ. كانت رائحة الأزهار البريّة تدخل من النافذة الصغيرة، ممتزجة برائحة الزيت الذي كان يضيء المصباح الحجري. كان صوت حفيف أشجار السرو يملأ الصمت.

“يا تيموثاوس”، بدأ أليشع بصوت أجش، كحفيف الأوراق الجافة. “أسمع هذه الأيام أصواتاً في السوق، وأرى عيوناً تلمع بذهب ليس ذهبنا”. توقف، وسعل سعلة قصيرة. “يقولون أن التقوى وسيلة للربح. يحوّلون بيت الآب إلى دكّان”.

رفع تيموثاوس عينيه، وكانت ذاكرته تعيد صوراً حديثة: رجلاً من “المعلّمين” الجدد كان يقف في ساحة المدينة، يعد الناس بالبركة الماديّة إذا ما قدّموا العطاء، ويهمس عن “أسرار” لم يسمع بها الرسل.

“لكن أليشع”، قال تيموثاوس بحذر، “ألا يحق لخادم الكلمة أن يعيش مما تقدمه الكنيسة؟”

انحنى العجوز إلى الأمام، وكأنّ المسافة بينهما شاسعة. “القناعة، يا ابني. القناعة هي الغنى العظيم. ألم ندخل إلى العالم عراة؟ ألن نخرج منه عراة؟ الغذاء والكساء، بهذا نكتفي. أما الذين يريدون أن يصيروا أغنياء، فيسقطون في الفخ والشرور”. كان صوته يعلو قليلاً، ثم يخور، كموج يتكسر على الشاطئ. “لأن حب المال أصل لكل الشرور. وبحمله، انحرف قوم عن الإيمان، وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة”.

ساد صمت. كان ظلام الليل بدأ يلفّ الكوخ، فاقترب تيموثاوس ليُشعل فتيل المصباح. النار انتقلت ببطء، وألقت ظلالاً متحركة على الجدار.

“لكن هناك أغنياء بيننا”، تابع تيموثاوس وهو يفكر في ليديا بائعة الأرجوان، وفي فيليمون الذي يستضيف الكنيسة في بيته.

ابتسم أليشع ابتسامة حزينة، تظهر فيها أسنانه الناقصة. “نعم. لذلك قل لهم: لا يستكبروا، ولا يرجوا في الغنى غير اليقين، بل في الله الحي. ليكن غناهم في عمل الخير، في العطاء، في المشاركة”. أمسك بيد تيموثاوس، وكانت يده باردة كالحجر في الشتاء. “لتكن ثروتهم كنزاً أساسياً للمستقبل، ليهتموا بالحياة الحقيقية”.

شعر تيموثاوس كأن كلمات أستاذه لا تخرج من فمه فقط، بل من أعماق زمن قديم، من صحراء وتجارب وجهاد. كان يتكلم كمن يسلّم راية ثقيلة، خوفاً من سقوطها.

“أما أنت يا تيموثاوس”، وانحنى أليشع أكثر، حتى أصبحت كلماته همساً لا يسمعه إلا صاحب الأذن الدقيقة. “اهرب من هذا كله. فالْحَقّ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالصَّبْرَ وَالْوَدَاعَةَ. جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ. أمسك بالحياة الأبدية”. كل كلمة كانت تخرج وكأنها تنزع من أحشائه. “أمام الله الذي يحيي الجمعة، وأمام المسيح يسوع الذي شهد لدى بيلاطس البنطي بالاعتراف الحسن: احفظ الوصية بلا دنس ولا لوم”.

توقف فجأة، وكأن القوى قد خارت منه. أرخى جسده على الحصير البسيط، ونفَسُه أصبح أصعب. نظر إلى تيموثاوس نظرة طويلة، فيها كل ما لم يقله: الوداع، والتكليف، والثقة، والخوف عليه. ثم أغمض عينيه.

بقي تيموثاوس جالساً في الظلمة المتزايدة، والمصباح يتراقص. كلمات العجوز كانت تدور في رأسه كخليط من النور والثقل. خارج الكوخ، كان عالم الإمبراطورية الرومانية يشتعل بأطماعه وصراعاته على الثروة والسلطة. وفي هذا الركن الهادئ، كان الإيمان يُسَلَّم كجمرة مقدسة، يجب ألا تنطفئ.

لم يكن درساً في اللاهوت فقط. كان هدية أخيرة من رجل عرف أن نهايته قريبة، إلى شاب عليه أن يسير في طريق مليء بالذئاب الخاطفة، متنكرين بثياب الحملان.

نهض تيموثاوس في النهاية، وغطّى أستاذه بغطاء صوف خشن. كان يعلم أن الصباح سيأتي، وسيكون عليه أن يواجه تلك الأصوات في السوق، وأن يحفظ الوديعة. ليس بخطب بلاغية فقط، بل بحياة بسيطة وقنوعة، تشهد أن الغنى الحقيقي لا يُوزَن بالديناري، بل بالسلام الذي يفوق كل عقل.

كانت النجوم قد بدأت تظهر في السماء، باردة وصافية. وخرج تيموثاوس إلى الليل، وحمْلُ الكلمات الثقيل في قلبه أخفُّ بكثير من وهْمِ غنى العالم الفاني.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *