الكتاب المقدس

بئر اللّهي الرائي

كانت الشمس تهبط بثقل على مخيم إبرام، حيث تتحول حبات الرمال تحت السقيفة الواسعة إلى ذهب سائل. ساراي، جالسة في الظل الخفيف لخيمتها، كانت عيناها تتابعان حركة الخادمة هاجر المصرية بين آنية الماء وأصواف الغنم. كان صمت الظهيرة ثقيلاً، يحمل في ثناياه همساً قديماً: وعد الإله لم يتحقق بعد. سنوات مضت وكلمات الرب تتردد في أذن إبرام: “نَسلُكَ كَنُجُومِ السَّمَاء”. لكن النجوم كانت تزداد عدداً في السماء، بينما ظلت أحشاء ساراي خاوية.

أحست ساراي بمرارة كرها للسنوات تتجمع في صدرها. نظرة واحدة ألقتها على هاجر وهي تحمل جرة الماء بسهولة، جسدها الفتي ينحني بمرونة، وكان القرار ينضج في داخلها كالثمرة المرة. دعت زوجها إليها، وكلماتها خرجت من شفتيها الجافتين كحبات الرمل: “هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوَلَدِ. ادْخُلْ إِلَى جَارِيَتِي.” صوتها كان هادئاً، لكن العاصفة كانت تعصف في عينيها الرماديتين. نظر إبرام إلى زوجته، فرأى في وجهها خطوط الصبر التي تحولت إلى أخاديد من اليأس. أطاع.

لم تمضِ أشهر قليلة حتى تغير المخيم كله. صارت هاجر تسير بخطوات أخرى، خطوات خفيفة وكأنها لا تلامس الأرض. نظراتها، التي كانت خافقة وحذرة، صارت مباشرة وجريئة. في عينيها المضيئتين كانت تُقرأ كلمة واحدة: “حياة”. أما ساراي فصارت ترى في كل حركة من حركات الجارية استهزاءً بصمتها العقيم. كانت تسمع ضحكتها المرحة من خيمة أخرى، فيتقلص قلبها كالثمرة الذابلة تحت الشمس. ذات صباح، بينما كانت هاجر تفرغ الماء في جرّة ساراي، سكبت بضع قطرات على الرمل. لم تكن إهانة بقدر ما كانت غفلة، لكن ساراي انفجرت: “ظُلْمِي عَلَيْكَ!” صرخت، وأصابعها ترتعش. “أَنَا وَضَعْتُ جَارِيَتِي فِي حِضْنِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرْتُ فِي عَيْنَيْهَا.”

وقف إبرام حائراً بين المرأتين. نظر إلى ساراي، زوجته التي سارت معه من أور إلى هذه الأرض المجهولة، فرأى جرحاً عميقاً في صدرها لا يندمل. ثم نظر إلى هاجر، حاملة الوعد في بطنها، فرأى كبرياء مخيفة في عينيها. قال لهجته الخشبية: “هُوَذَا جَارِيَتُكِ فِي يَدِكِ.” لم تكن كلماته حكماً، بل كانت استسلاماً لواقع مؤلم. ففعلت ساراي ما اعتادت نساء المخيمات أن يفعلهن مع الجواري المتمردات: أهانتها، وحقرتها، وعاقبتها بصرامة حتى تذكّر كلها مكانها.

لكن هاجر المصرية لم تكن ككل الجواري. كانت في عروقها دماء نساء النيل اللواتي يعرفن كيف يهربن من العبودية. في ليلة مقمرة، بينما كان المخيم نائماً، انسلّت من بين الأغطية واخترقت ظلام الصحراء بنفسها. ركضت بلا اتجاه، فقط بعيداً، بعيداً عن النظرات المحتقرة، عن الأيدي التي تؤلم، عن قلبها الذي تحول إلى حجر ثقيل في صدرها. وصلت إلى ينبوع ماء في البرية، على طريق شور، وانحنت لتشرب. دموعها كانت تختلط بماء العين المالح.

وهناك، عند ذلك الماء المهجور، جاءها الملاك. لم يأت في أجنحة نار أو هالة نور، بل جاء كصوت في الريح، صوت عرف لغتها المصرية. قال لها: “هَاجَرُ جَارِيَةُ سَارَاي، مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟” كان السؤال بسيطاً، لكنه اخترق كل جدران كبريائها. انكسرت. اعترفت: “أَنَا هَارِبَةٌ مِنْ وَجْهِ مَوْلاَتِي سَارَاي.” لم يوبخها الملاك، ولم يأمرها بالعودة فوراً. بدلاً من ذلك، أعطاها وعداً هو لها وحدها: “إِنَّكِ حُبْلَى، وَسَتَلِدِينَ ابْنًا، وَتَدْعِينَ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ.” ثم أضاف كلمات غريبة ومخيفة عن ذلك الابن: “يَدُهُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ، وَيَدُ كُلِّ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ.” كان الوعد فيه بركة ونبوءة شقاء معاً.

لكن أعجب ما في اللقاء كان الاسم الذي كشفه الملاك. دعاها باسمها، هاجر. ثم كشف لها سراً: “أَنْتِ الآنَ حُبْلَى بِابْنٍ، فَلَنْ تَكُونِي جَارِيَةً بَحْتَةً بَعْدَ الْيَوْمِ. بَلْ رَأَى الرَّبُّ مَذَلَّتَكِ.” كلمة “رَأَى” ترددت في أذنيها. فسمت المكان “بِئْرَ لَحَيْ رُئِي”، لأنها هناك رأت من يرها حقاً، لا كأمة، بل كإنسانة متألمة. وعادت. لم تعد هاربة، بل عادت امرأة تحمل في داخلها مصيراً. ولدت إسماعيل، وكان اسمه تذكاراً لتلك اللحظة عند البئير: “يَسْمَعُ اللهُ”. فالله قد سمع مذلتها.

وبينما كانت هاجر تحتضن وليدها في خيمة منفصلة، كانت ساراي تنظر من بعيد. في عيني السيدة العقيم لم يكن حقداً فقط، بل حسرة عميقة. لقد حققت رغبتها، لكنها زرعت بيدها شجرة سيكون ظلها طويلاً ومؤلماً. والريح تمر على المخيم فتحمل معها صوت بكاء الطفل إسماعيل، وصوت دفع الماء في الجرة، وصمتاً ثقيلاً بين الخيمتين. كانت بداية قصة، قصة أم وابن، ستبقى أصداؤها تتردد في البراري حتى نهاية الأيام.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *