في تلك الأيام، عندما كانت ذكرى سليمان الحكيم لا تزال تهمس في حجارة الهيكل، لكن ظلال الأصنام قد امتدت في أروقته، جلس يوشيا الملك في قصره بالقدس. لم يكن هدوء الليل يريح نفسه، بل كان ثقيلاً كقطعة قماش بللتها الأمطار. تذكر ذلك اليوم، اليوم الذي وجدوا فيه الدرج، وقد كانت كلماته كالنار تأكل أعماقه. كلمات العهد، وكلمات الغضب أيضاً. كانت تذكرة من زمن مضى، زمن نسيته يهوذا، لكن الرب لم ينس.
بدأ العمل مع الفجر الأول. لم يأمر يوشيا من على عرشه، بل نزل بنفسه إلى ساحة الهيكل. كان الهواء بارداً، يحمل رائحة البخور الغريبة التي كانت تملأ المكان سنوات طويلة. وقف أمام الكهنة والشيوخ، وعيناه تشعان بضوء غريب، ضوء من رأى الحقيقة فلم يعد يستطيع أن يغض الطرف عنها. “اسمعوا”، قال وصوته لم يكن عالياً، لكنه قطع الصمت كالسيف. “لقد حادثنا. لقد دنّسنا المكان الذي اختاره الرب. وهذا يجب أن ينتهي اليوم.”
لم تكن الأمر مجرد أوامر ملكية تُنفذ. لقد كانت عملية تطهير، عملية اقتراب. بدأ بنفسه. أمر بإخراج كل الأدوات التي صنعت لعشتاروث، ولكموش، وملكوم، وآلهة كل الشعوب. رأى الناس الكهنة وهم يحملون المنحوتات الخشبية والتماثيل الحجرية، بعضها مغطى بالفضة والذهب، تتلألأ تحت الشمس بخزي. لم يكن الجمال الصنيع هنا جميلاً، بل كان قبحاً يجر الردى. أمر يوشيا أن تُسحق كلها، أن تُحرق، أن تتحول إلى غبار يُذر في وادي قدرون. ورأى الغبار يرتفع، فيختلط بماء الوادي، ثم يذهب إلى غير رجعة.
ثم كانت المرافئ، تلك الأماكن على السطوح حيث كان الناس يبخرون للشمس والقمر والكواكب. أمر يوشيا بهدمها، كلها. سمع الناس صوت الحجارة وهي تسقط، صوت الخشب وهو ينكسر. صوت انتهاء عصر. ونزع التماثيل التي في باب المدينة، عند مدخل والي المدينة، التي كانت نظراتها الحجرية تراقب الداخل والخارج منذ أيام بعيدة.
لكن أعظم ما فعله، كان في بيت الرب نفسه. هناك، في الأروقة المقدسة، وجدوا الغرف التي بناها ملوك يهوذا لخدمة “الملكة السماوية”. كانت غرفاً مزينة، فيها كراسي وستائر، وروائح غريبة علقت في الجدران. أمر يوشيا أن تحرق كل محتوياتها. رأى النار تأكل الستائر والخشب، ورأى الدخان الأسود يصعد كصرخة أخيرة. ثم هدم الغرف نفسها، وأمر أن يأخذوا ترابها ويذرونه على القبور في وادي قدرون، حيث يرقد الموتى. كانت رمزية قاسية، كأنه يقول: ما عبدتموه كان موتاً، فليختلط أثره بالموتى.
ثم سار إلى توفة، في وادي ابن هنوم. كان ذلك المكان مشهوراً، بل مشؤوماً. حيث أحرق الناس أولادهم في النار لإله مولك. كان المذبح الحجري لا يزال قائماً، أسود من السخام والدم القديم. أمر يوشيا بتنجيسه، أن يكسر حجارته، أن يجعل المكان مقفراً. لا ذبيحة بعد اليوم، لا حتى لذكرى. فقط خراب، ليذكر الناس ثمن الشر.
لم يتوقف عند حدود أورشليم. قلبه كان مملوءاً حماسة كالنهر الجارف. سار إلى مدن السامرة، إلى المدن التي بناها ملوك إسرائيل قبل السبي. هناك، عند بيت إيل، كان المذبح الذي بناه يربعام بن ناباط، الذي جعل إسرائيل يخطئ. رأى يوشيا المذبح، والمكان العالي بجواره. أمر بكسر الحجارة أيضاً، وطحنها حتى صارت كالغبار. وإذ كان هناك، رأى القبور حول المكان. فسأل: “ما هذه القبور التي أراها؟” فقال له رجال المدينة: “هي قبور رجال الله الذين جاءوا من يهوذا ونادوا ضد هذا المذبح.” توقف يوشيا. سكت برهة. ثم قال بهدوء: “اتركوها. لا يحرك أحد عظامهم.” فتركوا عظامهم مع عظام النبي الذي جاء من السامرة. كانت لحظة رحمة نادرة في يوم مليء بالحزم.
واصل رحلته، يطهر ويحطم ويحرق. أزال الخمرة والآلهة المنزلية. ألغى العرافين والمنجمين وكل وسائل الاستخارة الباطلة. أرجع الكهنة الذين انحرفوا إلى مراكزهم في مدن يهوذا، لكن منعهم من الصعود إلى مذبح الرب في أورشليم، لأنهم قد دنّسوا أنفسهم.
وبعد أن انتهى من كل هذا، أمر يوشيا الشعب كله. “اعملوا فصحاً للرب إلهكم”، قال، “كما هو مكتوب في درج العهد.” لم يُعمل فصح مثل ذلك منذ أيام القضاة، ولا في كل أيام ملوك إسرائيل وملوك يهوذا. ذُبح الخروف، ووُضع الدم على القوائم، وأكل الشعب بخوف وفرح مختلطين. كان الفصح تذكاراً للخلاص، لكنه هنا كان أيضاً بداية، عهداً جديداً.
ظل يوشيا طوال أيامه متمسكاً بالرب بكل قلبه وكل نفسه وكل قوته. لكن النبوة القديمة، نبوة حوليا النبي، كانت لا تزال معلقة في الهواء. غضب الرب على يهوذا كان عظيماً، بسبب من سبقوا يوشيا، وأغاظوه بكل عمل أيديهم. فلم يعد غضبه لينصرف عنهم.
وفي النهاية، نزل يوشيا لملاقاة فرعون نخو ملك مصر في مجيدو. حاول أن يوقفه، ربما تذكر العهد، ربما شعر أن هذا هو دوره. لكن السهام وجدت طريقها. جروه من مركبته، ومات في أورشليم. ودفنوه في قبوره، وبكى عليه الشعب بكاءً عظيماً، بكاءً على ملك حاول أن يرد قلوب الشعب إلى البيت، بينما كانت الأقدار قد كتبت مساراً آخر.
وبكى إرميا النبي عليه أيضاً، وغنى المرتلون مراثي إلى اليوم. لأنهم عرفوا أن نوراً عظيماً قد أطفئ، وأن ظلال الوادي، وادي قدرون، كانت تطول مرة أخرى، حاملة معها غبار الأصنام، وتراب المذابح، وصدى كلمات درج وجد في بيت أهمله الزمن، ثم غيّر كل شيء، ولو إلى حين.




