في تلك الليلة، حين كان السكون يلفّ أرجاء قصر شوشن، لم يجد الملك أحشويروش طعمًا للنوم. كان قلقلٌ غريبٌ يتسلل إلى نفسه، كأنما ثقلٌ ما يضغط على صدره، فلا يستطيع أن يجد راحةً على فراشه المزركش بالحرير. نهض أخيرًا، ومرّر يديه على وجهه المتعب، ثم أمر خادمه الأمين أن يجلب سفرُ الذكريات، سجلُ أحوال المملكة، كي يُلهيه قراءتُه عن هذا الأرق.
جاء الخادم بالدرج المصنوع من جلد غزال، مكتوبًا بحبرٍ داكنٍ بخطّ الكتبة الدقيق. تحت وهج المصباح الزيتي الخافت، بدأ الملك يقلّب الصفحات بصوتٍ خفيف. وكانت ريحٌ لطيفةٌ تدخل من النافذة المفتوحة قليلاً، تحمل معها عبقَ زهور الليل من الجنائن، فتمتزج برائحة الأرز التي تفوح من ألواح القصر. وقعت عين الملك على ذكرى قديمة، حادثةٌ كادت أن تُنسى في زحام الأيام. ففي تلك الصفحة، سجّل الكتبة كيف أن مردخاي اليهودي، الجالس عند باب الملك، قد أنقذ حياة الملك بكشفه مؤامرةٍ دبّرها خصيان القصر، بغتان وترش، اللذان عَزَما على اغتياله.
توقّف الملك عند هذه السطور، وسأل خادمه: “أي كرامةٍ أو عَظَمةٍ أُعطيتُ لمردخاي على هذا الصنيع؟” فأجابه الخادم، وقد خفت صوته بعض الشيء: “لم يُعطَ شيءٌ يا سيدي الملك. لا شيء ذُكر.”
شعر الملك بلسعةٍ في ضميره. هنا رجل أنقذ حياة ملك الفرس، حامي الممالك، ثم تُرك دون جزاء. كان الظلم في هذا الموقف واضحاً كشمس الظهيرة. وفي تلك اللحظة بالذات، سمع من خارج حجرته صوتَ خطواتٍ متسرّعة في الرواق الفارغ. كان الصباح قد بدأ يشقّ طريقه، والليل يتراجع خجلاً.
“من هناك في الساحة الخارجية في هذا الوقت؟” سأل الملك. فأجاب الخادم: “إنه هامان بن همداثا الأجاجي، رئيس الوزراء، يا سيدي. جاء باكرًا ليطلب من الملك أن يُصْلَبَ مردخاي، ذلك الرجل الذي لا يحني رأسه له.” التقط الملك الفرصة، كأنما القدر نفسه يدير الخيوط. “ليدخل هامان بسرعة،” قال الملك، وقد بدأت فكرةٌ تتشكل في رأسه.
دخل هامان، وكانت نفسه منتفخةٌ بالكبرياء، وخطته الشريرة تملأ قلبه. وقف بإجلالٍ منتظرًا أن يطرح طلبه. لكن قبل أن يفتح فمه، سأله الملك: “ماذا يجب أن يُفعل للرجل الذي يسرّ الملك أن يُكرمه؟”
ظنّ هامان في نفسه: “من عداي يريد الملك أن يكرم؟ إنه أنا بالتأكيد.” فانتفخت أوداجه، وارتفع صدره بزهو، وبدأ ينسج حلم كرامته بأفخم الصور. “يا سيدي الملك، للرجل الذي يسرّ الملك أن يكرمه، يجب أن يُحضر ثوبٌ ملكيّ من تلك الثياب التي يرتديها الملك نفسه، ويُحضر فرسٌ من خيل الملك التي يركبها، ويوضع تاجٌ ملكي على رأس الفرس. ثم يسلم الثوب والفرس إلى أحد أشراف الملك، من أرفع الأمراء، فيلبس ذلك الرجل الثوب، ويُركب على الفرس في شارع المدينة، وينادي أمامه: هكذا يُفعل للرجل الذي يسرّ الملك أن يكرمه.”
ابتسم الملك ابتسامةً خفيفة، كأنما يرى مسرحيةً عجيبةً تتكشف أمامه. فقال لهامان: “أسرع، خذ الثوب والفرس كما قلت، وافعل هكذا لمردخاي اليهودي، الجالس عند باب الملك. لا تُهمل شيئًا مما ذكرت.”
كانت الصفعة كالصاعقة على وجه هامان. شعر وكأن الأرض تدور من تحت قدميه، وأن كبرياءه العالية تهوي في لحظة. دمه جمد في عروقه، ونظرة الملك لم تترك مجالاً للنقاش. فخرج هامان، مكسور الخاطر، يجرّ أذيال الخيبة، ليفعل ما أمره الملك.
وفي شوارع شوشن، تحت شمس الصباح المشرقة، رأى الناس مشهداً لا يُنسى. هامان، رئيس الوزراء، يقود بيديه فرس الملك، ومردخاي الجالس عليه مرتدياً الثوب الملكي، وهامان ينادي بصوتٍ أجش، كأنه ينفث سماً: “هكذا يُفعل للرجل الذي يسرّ الملك أن يكرمه!” كانت نظرات الناس مزيجاً من الدهشة والاستغراب، وبعضهم كان يخفي ابتسامةً في زاوية شفتيه.
بعد أن انتهى الموكب، عاد مردخاي إلى مكانه عند باب الملك، كأن شيئاً لم يكن. أما هامان، فانطلق إلى بيته مغطى الرأس حزيناً، يندب حظه العاثر. وقصّ على زوجته وأصدقائه ما حدث، فقالوا له بكلماتٍ ثقيلة كالحجارة: “إذا كان مردخاي، الذي بدأت تسقط أمامه، من نسل اليهود، فإنك لا تقوى عليه، بل ستسقط أمامه سقوطاً كاملاً.”
وبينما هم يتحدثون، وصل خصيان الملك ليأخذوا هامان مسرعين إلى الوليمة التي أعدتها الملكة أستير. كانت عجلة القدر تدور بسرعة، وكل حدثٍ يقود إلى ما لا تُحمد عقباه. وكان ليلٌ آخر ينتظر، يحمل في ثناياه مصائرَ تُكتب بماءٍ من دموعٍ ودم.




