الكتاب المقدس

راعي تقوع والنار السماوية

كان الهجير قد بلغ ذروته، وسماء يهوذا صافية كزجاج محمى. تحت شجرة بطم وحيدة، على تلال تقوع حيث تكاد الحجارة تذوب من شدة الحرارة، جلس عاموس. لم يكن نبياً بالمعنى المتداول، ولا ابن نبي. كانت يداه خشنَتين من تقليم أشجار الجمّيز، وملابسه تفوح منها رائحة التراب والصوف. هو راعٍ، لا أكثر. لكن شيئاً ما كان يغلي في صدره، كأنما نار أكلت كل هدوء البرية.

لم تكن الكلمات التي تدفقت إلى ذهنه كلماتٍ له. جاءت ثقيلة، كدويّ رعد بعيد من وراء جبال مؤاب. رأى، لا بعينيه، بل بكينونته كلها، مدناً بعيدة لم يزرها قط: دمشق وغزة وصور وأدوم وعمون وموآب. رأى أسواقها الصاخبة، وقصور حكامها الباردة، وحقولها المروية بدماء المساكين.

“هكذا قال الرب.” لم تكن العبارة ترفاً بلاغياً، بل حقيقة ملموسة شعر بها كحرارة الجمرات على لسانه. “من أجل ذنوب دمشق الثلاثة والأربعة، لا أردّه.”

راح يعدّها في قلبه، الذنوب. كان كمن يحصى حبات الرمال المحترقة. ليست خطايا فردية عابرة، بل نظامٌ من القسوة. “لأنهم داسوا على أهل جلعاد بنوارج من حديد.” لم يكن مجرد استعارة. سمع في أذنه الداخلية صوت الطاحونة البشرية: صرير العجلات الحديدية، صراخ الرجال والنساء، وقعُ المذلة المنظمة. كانت الحرب شيئاً، وهذا شيء آخر. كان تحويل البشر إلى تراب تحت أقدام الغزاة، نظامياً، بلا رحمة.

تتابعت الرؤيا كموجة عاتية. غزة… أشقلون… صور. لم تكن العداوات السياسية العابرة هي المُدانة، بل الخيانة الإنسانية الأساسية. “لأنهم سلّموا جماً كاملاً إلى أدوم.” رأى في ظلام عينيه المغمضتين قوافل بشرية تُباع، أسراً كاملة تُقاد إلى الجوع والعذاب من أجل دريهمات قليلة، من أجل عهود خانقة مع جار أقوى. كان التجار، أولئك الذين يجلسون في موانئهم الآمنة، يبيعون مستقبل شعبٍ بأسره كسلعة رخيصة.

ثم تحولت الرؤيا جنوباً، نحو الأدوميين، أقرباء يعقوب بالدم واللحم. “لأنه طارد أخاه بالسيف.” الكلمات كانت مرة كعلقم. رأى حقداً متوارثاً، نار حروبٍ لا تنطفئ، انتقاماً يمزق النسيج الإنساني نفسه. كانت القسوة هنا مقرونة بنكران الأخوة، وكأن الدم المشترك صار وقوداً للكراهية.

والعمونيون… هنا ارتجف عاموس حتى وهو جالس. “من أجل شقّ حوامل جلعاد.” لم تكن مجرد فظاعة حربية، بل كان هتكاً للحياة في أقدس مواطنها، انتهاكاً للمستقبل نفسه. كان القتل من أجل توسيع الحدود، من أجل المرعى والملح، قد بلغ ذروةً من الوحشية لا يطيقها حتى صمت الرب.

ارتفعت حرارة الكلمات في فمه. “وأرسل ناراً على أسوار…” لم تكن ناراً مادية فحسب. كانت نار العدل الإلهي، التي لا تأكل القشّ وحده، بل تأكل الأساسات الحجرية للكبرياء والظلم. كل حكم كان يبدأ بتلك الصيغة الرهيبة، المكررة كجرسٍ ينذر بالخراب: “من أجل ذنوبهم الثلاثة والأربعة، لا أردّه.” كان الرقم ثلاثة يشير إلى الامتلاء، والرقم أربعة يشير إلى تجاوز كل حد. كان الظلم قد طفح، والصبر قد نضب.

انتهت الكلمات فجأة، كما بدأت. عاد صمت الصحراء، لكنه صمت مختلف الآن. كان صمتاً ثقيلاً، مشبعاً بوقع الحكم الذي نُطق به. نظر عاموس إلى قطيعه الصغير يرتعي في بقعة ظلّ بعيدة. عيناه، اللتان رأتا إمبراطوريات بعيدة تسقط بقرار سماوي، رأتا الآن بساطة الحياة التي يعرفها. شعر بتفارق هائل. الرب، إله إسرائيل، لا يهتم بذبائح بيت إيل وهرتجال السامرة فحسب. إنه يرى ما يحدث في قصور آرام، وفي مواني فلسطين، وفي سهول مؤاب. عدالته ليست محلية، بل كونية. هي لا تطالب شعباً مختاراً وحده، بل تطالب كل إنسانٍ ظلم أخاه الإنسان.

نهض، وكأن ثقلاً كبيراً رُفع عن كاهليه، أو وُضع عليه. لم يعد مجرد راعٍ من تقوع. كان قد سمع، وكان عليه أن ينطق. كانت النار التي رأها ستصيب أسوار المدن البعيدة، لكنها، وهو يعرف هذا في أعماقه، ستبدأ أولاً بإحراق السامرة وأورشليم. لأن من يعرف عدالة الرب، تكون مسؤوليته أعظم.

بدأ ينحدر من التلة نحو بيت إيل، حيث يزأر الثور الذهبي، حيث يظنّ الناس أن الرب يسكن في هياكل من صنع أيديهم. كانت خطواته ثابتة، رغم أن الرسالة التي يحملها في صدره كانت أقوى من أن يتحملها إنسان. كان يحمل ناراً، وكان عليه أن يدفع الثمن.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *