الكتاب المقدس

يوحنا المعمدان في برية اليهود

في تلك الأيام، حين كان التيبريوس قيصراً يحكم روما من على كرسيها العالي، وفي أرض اليهودية حيث كان بيلاطس النبطي والياً، وهرودس رئيس ربع على الجليل، وفي ظل حكم كهنة معينين بيد القوة الرومانية، كانت كلمة الله تتحرك في البرية. نعم، في البرية القاحلة التي تحترق تحت شمس فلسطين، بعيداً عن أروقة الهيكل المزينة بالذهب وضوضاء الأسواق في أورشليم.

كان صوتٌ يعلو هناك، صوت رجل واحد، يوحنا بن زكريا. لم يكن صوته كصوت الخطابة في الساحات، بل كان كدوي الرعد البعيد الذي يسبق المطر، خشناً وحاداً، يحمل في طياته نفحة من تراب الصحراء ورائحة الصبر الطويل. كان يرتدي ثوباً من وبر الإبل، خشن الملمس، يلف جسده النحيل، وعلى حقويه منطقة من جلد. طعامه جراد وعسل بري، طعام من يجد كفايته في ما تمنحه الأرض الشحيحة، لا من يطلب الترف في قصور الحكام. كان وجهه محفوفاً بالتجاعيد التي رسمتها الشمس والرياح، وعيناه تشعان بنور غريب، نور الوعد القديم الذي حفظه في قلبه منذ نعومة أظفاره.

وخرج إليه الناس. لم يخرجوا جماعات منظمة، بل خرجوا أفراداً وجماعات صغيرة، كقطرات الماء الأولى التي تتجمع في الوادي قبل السيل. خرجوا من أورشليم، من كل اليهودية، ومن كل المنطقة المحيطة بنهر الأردن. كانوا يمشون أياماً في الحر والغبار، يحملون همومهم وخطاياهم مثل أثقال على ظهورهم. كانوا يرون من بعيد شخصاً واقفاً عند منحنى النهر، يرفع ذراعيه نحو السماء، ويصرخ بكلمات لا تشبه كلمات الكهنة والكتبة. كان ينادي: “توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات!”

وكانوا يسمعونه يتلو نبوءة إشعياء النبي، كأنها كُتبت له بالأمس: “صوت صارخ في البرية: أعدوا طريق الرب، قوموا سبله.” وكان يقول لهم بأن كل وطاء يرتفع، وكل جبل وأكمة ينخفض، والمعوج يصير مستقيماً، والعراقيب تصير سهلًا. وكان الناس يفهمون أنه لا يتحدث عن طرق من حجارة وتراب، بل عن طرق في قلوبهم، عن غرور يجب أن يتضاءل، وعن خطيئة يجب أن تستقيم، وعن قلوب قاسية يجب أن تلين.

فكانوا يأتون إليه، معترفين بخطاياهم، ويغطسهم في ماء الأردن. لم يكن الغطس مجرد طقس لغسل الجسد، بل كان علامة، كختم على عهد قطعوه مع الله في أعماق نفوسهم. كان الماء البارد ينزل على جباههم، فيشعرون وكأن ثقلاً قد زال، وكأنهم ولدوا من جديد من ذلك النهر العتيق. وكان يوحنا يعظهم، ناظراً بعينيه الثاقبتين إلى دواخلهم.

وكان يأتيه أناس من كل صنف. فجاءه قوم من الفريسيين والصدوقيين، الذين اعتادوا على مراكز الاحترام ومجامع العلم. جاءوا وهم يحملون ثقة بأنهم أبناء إبراهيم، وأن هذا يكفيهم. فلما رأى يوحنا وجههم وهم يقتربون، لم يتردد، بل زأر كأسد: “يا أولاد الأفاعي! من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟! اصنعوا أثماراً تليق بالتوبة. ولا تقولوا في أنفسكم: لنا إبراهيم أباً، لأني أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم!”

وكانت كلماته تضرب كالمطرقة على صدورهم. ثم أردف: “والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تُقطع وتلقى في النار.” وكان السامعون يرتجفون، لأنهم فهموا أنه يتحدث عن دينونة، عن فصل بين ما هو حقيقي وبين ما هو زائف في حياتهم.

وسأله الجموع: “ماذا نفعل إذن؟”
فأجاب الرجل الذي لا يملك شيئاً: “من له ثوبان فليشرك مع من ليس له، ومن له طعام فليفعل كذلك.”

وجاءه عشارون، وهم جباة الضرائب المكرَهون من الشعب والمرذولون لتعاونهم مع السلطة الرومانية. وسألوه: “يا معلم، ماذا نفعل؟”
فنظر إليهم، ولم ينبذهم كما كان يفعل الآخرون. قال: “لا تجمعوا أكثر مما فرض عليكم.”

وجاءه جنود أيضاً، ربما مرتزقة أو جنود من حرس هيرودس، وسألوه نفس السؤال. فقال لهم: “لا تظلموا أحداً، ولا تشوا بأحد، واقنعوا براتبكم.”

وكانت نفوس الناس تمتلئ توقعاً. وتساءل الجميع في قلوبهم عن يوحنا: “ألعله هو المسيح؟” لقد كان مختلفاً عن كل من رأوا. لم يطلب مالاً، لم يسعَ لمنصب، كان حراً كالريح، قوياً كالصخر، نقيّاً كالنهر. فجابههم يوحنا بقوة: “أنا أعمدكم بماء للتوبة، ولكن يأتي بعدي من هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار. الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع القمح إلى مخزنه، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ.”

وهكذا كان يعظهم بكلام كثير، بشجاعة لا تعرف المداهنة، ويبشر الشعب. كان النهر يشهد كل يوم على مشاهد التوبة والأمل، وعلى صوت ذلك النبي الأخير الذي يهيئ الطريق.

لكن السيادة لا تحتمل دائماً صوت الحق. فقد وبخ يوحنا رئيس الربع هيرودس على أمر منكر فعله، على أخذ امرأة أخيه فيلبس. فأضمر هيرودس في قلبه حقداً، وأضافت هيروديا، المرأة التي أخذها، حطباً إلى نار غضبه. كانت البذرة قد زرعت، وسيحصد يوحنا ثمرها لاحقاً في ظلمة السجن.

لكن في أحد تلك الأيام، بينما الشمس تميل نحو الغرب وتصبغ ماء الأردن بلون الذهب، جاء إنسان من الناصرة. جاء ليس معه حاشية، ولا مظاهر العظمة. مشى في الماء كالباقين، ووقف أمام يوحنا. وعندما رفع يوحنا عينيه، حدث شيء عجيب. ذلك الصوت القوي الذي كان يهز القلوب، ها هو يخفت. ذلك الجسد الذي وقف كالصخرة أمام الفريسيين والجنود، ها هو يتراجع خطوة إلى الوراء، والدهشة تكسو محياه.

قال يوحنا، وكأنه يحاول أن يمنعه: “أنا محتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ؟”
فأجاب الرجل من الناصرة بصوته الهادئ العميق: “اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر.”

فسكت يوحنا. وأمسك بكتف يسوع، وميلا معاً إلى مياه النهر. وعندما غطسه يوحنا ورفعه، انفتحت السماوات. رأى يوحنا، ورأى ربما قلة ممن كانوا حاضرين، الروح القدس ينزل بهيئة جسمية مثل حمامة، ويستقر عليه. وصوتٌ جاء من العلاء، صوت لم يكن كأي صوت: “أنت ابني الحبيب، بك سررت.”

وبعد ذلك، اختفى يسوع في الجمع، وانصرف. أما يوحنا فبقي واقفاً في الماء، ينظر إلى حيث ذهب، وهو يعلم أن الزمن قد تغير، وأن دوره كمهيئ الطريق قد اكتمل. لقد رأى الحَمَل الذي يرفع خطيئة العالم. واستمر صوته بعد ذلك يشهد لذلك النور، حتى يأتي اليوم الذي يُسكت فيه صوته في قصر هيرودس، ولكن الكلمة التي هيأ لها الطريق، لن يسكتها أحد.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *