الكتاب المقدس

لعازر يخرج من القبر

كان النهار يميل نحو الغروب، ونسيم خفيف يحمل عبق زهور الربحا وأصوات أغنام عائدة من المراعي، عندما وصل الرسولان إلى بيت عنيا. كان وجهاهما شاحبين، وقد غُطيَا بغبار الطريق الطويل من عبر الأردن. رآهما مرثا من نافذة العلية، فانحشر القلب في صدرها. لم تكن الأخبار السارة تأتي بهذه السرعة.

“السيد…” قال أحدهما، وصوته متقطع من التعب والجزع. “أرسلتنا لكِ، ولأختكِ. لعازر حبيبنا مريض.”

سقطت مرثا على الكرسي الخشبي، وكأن ركبتيها لم تعودا تحملانها. في الغرفة المجاورة، كانت مريم جالسة بجانب السرير، تمسح بقطعة قماش مبللة جبين أخيها المتقد حرارة. كان لعازر يتنفس بصعوبة، وعيناه مغلقتان، وكأنه يحارب عالماً آخر. سمعت همسات الرسولين، فلم تتحرك. كانت عيناها تفيضان بصمت، كالنبع الذي يفيض قبل أن يجرى ماؤه.

أرسلن إلى يسوع رسالة قصيرة، مؤثرة، تخلو من الطلب المباشر، ولكنها ممتلئة بالثقة: “يا سيد، هوذا الذي تحبه مريض.” ثم بدأ الانتظار. انتظرت مرثا عند مدخل القرية كل يوم، ترمق الطريق المؤدي إلى نهر الأردن. انتظرت مريم في الظل الداخلي للبيت، تمسك يد أخيها التي أصبحت أرق يوماً بعد يوم. لكن الطريق ظل خالياً.

وفي اليوم الرابع، قبيل الفجر، أسلم لعازر روحه. صارت الصيحة في البيت عالية، ثم خفتت إلى نواحٍ عميق، كأنما الأرض في بيت عنيا انشقّت وابتلعت كل فرح. جاء الجيران، وحضّروا الكفن، وحملوا الجسد إلى المغارة في الجبل. وضعت الحجر الثقيل على فم القبر، وكان صوت احتكاكه بالصخر آخر ما سمعتاه أختاه. عادتا إلى بيت صامت، لا يُكسر صمته سوى حفيف شجرة الجميز القديمة في الدار.

كان يسوع، هناك في عبر الأردن، يعرف. قال لتلاميذه: “هذا المرض ليس للموت، بل لأجل مجد الله.” وحين علم بموته، بقي يومين آخرين حيث كان. تساءل التلاميذ، وخافوا. كانت اليهودية مليئة بمن يريدون رجماً. ولكن في اليوم الثالث، قال لهم ببساطة: “لنذهب إلى اليهودية.”

ثارت مخاوفهم. “يا معلم، الآن كان اليهود يطلبون رجمك، وتذهب أيضاً إلى هناك؟”

أجاب بكلمات غامضة عن النهار والليل، وعن الساعي الذي لا يعثر. ثم قال بوضوح: “لعازر حبيبنا قد نام، لكني أذهب لأوقظه.” ظنوا أنه يعني راحة النوم، فهادهم القول. عندئذ قالها لهم صريحة، بذلك الصوت الهادئ الذي يقطع القلب كالسيف: “لعازر مات.”

وصلوا إلى مشارف بيت عنيا في وقت الظهيرة. كانت الشمس قاسية، والقرية تبدو نائمة تحت وطأة الحزن والحر. كان توما قد قال للتلاميذ بكآبة: “لنذهب نحن أيضاً لكي نموت معه.” ولكنهم لم يكونوا مستعدين لما سيرونه.

سمعت مرثا، من بعيد، أن يسوع آت. فنهضت من وسط الجالسين يعزونها، وخرجت مسرعة، ترفع ذيل ثوبها الأسود عن التراب. قابلته على الطريق. كانت كلماتها الأولى ممزوجة باللوعة والعتاب والإيمان: “يا سيد، لو كنت هنا لما مات أخي.” ثم أضافت، والرجاء يخفق خفية في صدرها المكلوم: “ولكني أنا أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك إياه الله.”

نظر إليها، وعيناه العميقتان تريان أكثر من مجرد حزن أخت. قال لها: “سيقوم أخوك.”

ظنت أنه يعني القيامة العامة، في اليوم الأخير. فأجابت، وعيناها على الأرض: “أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير.”

حينها قال لها الكلمات التي هزت أساس كل شيء: “أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنين بهذا؟”

رفعت مرثا رأسها. كان هناك شيء في صوته، في هدوءه الجليّ، في سلطانه الذي لا يناقش، جعل الإيمان يتغلب على اليأس. قالت: “نعم، يا سيد. أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله، الآتي إلى العالم.” ثم التفتت مسرعة، وعادت إلى البيت، وهمست لأختها في أذنها: “السيد قد جاء وهو يدعوك.”

قامت مريم مسرعة، وتبعها المعزون ظانين أنها ذاهبة إلى القبر لتبكي هناك. خرجت من البيت، وكان وجهها مغطى بمنديل، وعيناها حمراوان من الدموع. ركضت إلى حيث كان يسوع ينتظر، وخرّت عند رجليه، وقالت نفس كلمات أختها، ولكن بصوت محطم بالبكاء: “يا سيد، لو كنت هنا لما مات أخي.”

رأها تبكي، ورأى اليهود الذين جاءوا معها يبكون، فانزعج في الروح، واضطرب. سأل: “أين وضعتموه؟”

قالوا: “يا سيد، تعال وانظر.”

فانهمرت دموعه.

قال اليهود بعضهم لبعض: “انظروا كيف كان يحبه!” ولكن بعضهم الآخر قال: “ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضاً لا يموت؟”

كان حزنه حقيقياً، عميقاً، كحز任何 إنسان أمام فجوة الفقدان. لكنه كان أيضاً حزناً مختلفاً، حزناً من يرى العاقبة ويعرف قصة النهاية، ولكنه يتألم من ألم الذين لا يرونها بعد. جاء إلى المغارة، وكان مغارة منحوتة في الصخر، وعلى فمها حجر موضوع.

قال: “ارفعوا الحجر.”

تقدمت مرثا، صوتها مرتعش من الرعب والرائحة: “يا سيد، قد أنتن، لأنه له أربعة أيام.”

نظر إليها، وفي صوته توبيخ لطيف، وتذكير: “ألم أقل لك إن آمنتِ ترين مجد الله؟”

فتقدموا، ورفعوا الحجر. كان الصخر ثقيلاً، وصدر صوت قعقعة مجلجلة حين تحرك من مكانه. انبعثت من داخل الظلمة رائحة ثقيلة، رائحة الموت والفناء. تراجع البعض، وغطوا أنوفهم بأطراف ثيابهم.

وقف يسوع. رفع عينيه نحو السماء الزرقاء الصافية فوق تل العنب. وصلى: “أيها الآب، أشكرك لأنك سمعت لي. وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتني.”

ثم، بعد صمت قصير حبس فيه الجميع أنفاسهم، صرخ بصوت عال، صوت ليس له مثيل في القوة والسلطان، صوت يهز عظام الموتى: “لعازر، هلم خارجاً!”

حصل صمت رهيب. كل عين كانت محدقة في ظلمة المغارة. ثم، حركة. صوت خفيف، كصوت لفافة كتان تتحرك. ثم ظل يتحرك في الظلام. ثم، شيئاً فشيئاً، ظهر رجل مكتوف اليدين والرجلين بالأكفان، ووجهه ملفوف بمنديل. وقف متردداً على عتبة النور.

قال يسوع، وصوته الآن هادئ، حنون، كمن يوقظ حبيباً من نوم عميق: “حلّوه ودعوه يمضي.”

تقدم الرجال، بأيدي مرتعشة، يحلون الأكفان. وسقط المنديل عن الوجه. كان وجه لعازر شاحباً، ولكن فيه حياة. تنفس الصعداء، ورمش بعينيه في ضوء الشمس المباشر. التفت نحو يسوع. كانت عيناه تريان، وتفهمان.

أما مريم ومرثا، فلم تستطيعا النطق. كانت فرحتهما صامتة، مذهولة، ممزوجة برعدة من الهلع المقدس. تقدم لعازر خطوات متثاقلة، ثم سقط بين ذراعي أخواته.

أما الجمع، فمنهم من خرّ ساجداً. ومنهم من ذهب مسرعاً إلى أورشليم يحكي ما رأى. ومنهم من وقف مكانه، لا يصدق عينيه، محاولاً أن يفهم كيف أن الحياة، بهذه البساطة المهيبة، خرجت من فم ذلك الرجل الناصري، لتدخل مرة أخرى إلى جسد كان قد أصبح للتراب. وكان يسوع ينظر إلى المشهد، وكان حزينه لم يزل كامناً في عينيه، لأنه كان يعلم أن هذه الآية ستكون القطرة التي تفيض الكأس، وستدفع بالكهنة والفريسيين إلى عقد مجلسهم الأخير. لكنه الآن، كان ينظر إلى وجه لعازر وهو يبتسم لأخواته، ابتسامة واهنة، أولى ابتسامات العائدين من سفر بعيد. وكان ذلك يكفيه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *