الكتاب المقدس

بركة مسروقة وغضب عاصف

كان الشيخ إسحاق طريح الفراش في خيمته الكبيرة، ظلَّ المرض ينهش جسده حتى أضناه، وأظلمت عيناه فلا يكاد يبصر إلا ظلالًا متحركة. في زاوية الخيمة، حيث كان النسيج السميك يحجب وهج الشمس القاسي، استدعى ابنَه البكر، عيسو. كان صوت إسحاق خفيضاً، متقطعاً، يحمل ثقل السنين ومرارة الجسد الواهن.

“يا ابني”، قال وهو يلتفت نحو مصدر صوت خطوات عيسو الثقيلة.
“لبيك يا أبي”، أجاب عيسو مقترباً.
“أرى أن أيامي قد قاربت على الانقضاء. خُذْ أدوات صيدك، كنانتك وقوسك، واذهب إلى البرية. اصطد لي صيداً، واصنع لي طعاماً شهياً كما أحب. كُلْهُ لأباركك قبل أن أموت.”

سمعت رفقة، زوجة إسحاق، الكلام من خلف نسيج الخيمة حيث كانت تعدّ العجين. توقفت يدها. قلبها خفق بسرعة. كانت تعرف النبوءة التي قيلت لها عند حملها بالتوأمين: “الكسير يكون شعباً قوياً”. كانت قد رأت في عيسو طباعاً جامحةً تروق لإسحاق الذي يحب طعم لحم الصيد، أما يعقوب فكان يقضي أيامه حول الخيام، هادئ الطبع، وهي تحبه. وكانت تتذكر دائماً كلام الرب: “الكبير يخدم الصغير”. فقررت في لحظة أن تتدخل.

بعد أن غادر عيسو البرية مسرعاً، نادت يعقوب بصوت حازم ولكنه مكتوم: “يا بني، تعال واسمع.”
دخل يعقوب، وملامح قلقه بادية على وجهه النحيل. أخبرته بما سمعت. “الآن، اسمع كلامي وافعل كما آمرك. اذهب إلى القطيع وخذ لي من هناك جَدْيَيْ ماعز جيدين، لأصنع منهما طعاماً شهياً لأبيك كما يحب. ثم تأخذه إليه فيأكل، ويباركك قبل موته.”

تلكأ يعقوب، وظهر الارتباك في عينيه. صوته ارتعش قليلاً: “لكن أخي عيسو رجل أشعر، وأنا رجل أملس. ربما يلمسني أبي فأكون عنده كمخادع، وآتي عليه بلعنة لا بركة.”

لكن إصرار الأم كان أقوى. “عليّ تكون لعنتك يا بني. فقط اسمع كلامي واذهب وافتح لي.” لم يكن هناك مجال للنقاش. فذهب يعقوب وأحضر الجديين. أما رفقة، فأسرعت، وذبحتهما، وسلختها، وقطعتهما، وطبخت اللحم بالأعشاب والبهارات حتى تفوح رائحته عبر أرجاء الخيمة. ثم أخذت ثياب عيسو الفاخرة، التي كانت تحتفظ بها في صندوق من خشب الأرز داخل خيمتها، ثياباً تفوح منها رائحة التراب والسماء والحقل. ألبستها ليعقوب. ثم لفَّت جلدَي الجديين حول ذراعيه وعنقه، حيث كان الجلد أشعر ما يكون. وأعطته الخبز والطعام الشهي.

تقدم يعقوب نحو خيمة أبيه بخطوات مترددة، وكاد قلبه يقلع من مكانه خوفاً. نادى من باب الخيمة: “أبي.”
أجاب إسحاق من الداخل: “من أنت يا بني؟”
قال يعقوب، متماسكاً صوته ما استطاع: “أنا عيسو بكرك. قد فعلت كما أمرتني. قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني.”

تعجب الأب الشيخ. “ما هذه السرعة التي وجدت بها يا بني؟”
فقال يعقوب، وكلمات الأم ترن في أذنيه: “لأن الرب إلهك قد ساقه إلى أمامي.”
لكن الشك تسلل إلى قلب إسحاق. الضعف يزيد الحواس الأخرى قوة. قال: “تقدم إلى هنا حتى ألمسك يا بني، فأعلم هل أنت ابني عيسو أم لا.”

تقدم يعقوب إلى يد أبيه الممدودة. لمس إسحاق الجلد الأشعر على يديه. كان الصوت صوت يعقوب، لكن اللمس كان لمس عيسو! حار الأمر على الشيخ. سأل مرة أخرى: “أأنت ابني عيسو؟” فأجاب: “أنا.” فقال إسحاق: “قدِّم لي فآكل من صيدك وأباركك.” قدّم له الطعام، فأكل. قدّم له الخمر، فشرب. ثم قال له أبوه: “تقدّم والثّقني يا بني.”

فتقدم يعقوب وقبّل أباه. فشمّ إسحاق رائحة ثيابه، رائحة الحقل المفتوح والندى، فانحلت آخر شكوكه. ورفع صوته، وكان صوت البركة يملأ الخيمة:

“انظر. رائحة ابني كرائحة حقل قد باركه الرب. فليعطك الله من ندى السماء ومن دسم الأرض، وكثرة حنطة وخمر. ليخدمك شعوب، وتسجد لك قبائل. كن سيداً لإخوتك، وليسجد لك بنو أمك. ليكن لاعنوك ملعونين، ومباركوك مباركين.”

ولما فرغ إسحاق من بركة يعقوب، وخرج يعقوب مسرعاً من وجه أبيه، إذا بعيسو قد جاء من صيده. فصنع هو أيضاً طعاماً شهياً وقدّمه لأبيه. ودخل إلى أبيه وقال: “ليقم أبي ويأكل من صيد ابنه، لكي تباركني نفسك.”

فقال له إسحاق بصوت أجشّ ارتعد منه الفراش: “من أنت؟”
فقال: “أنا ابنك بكرك عيسو.”
فارتعد إسحاق رعدة شديدة عظيمة. وصار صوته كأنين الريح في ليلة شتاء: “فمن هو الذي اصطاد صيداً وأتاني به، وأكلت من كلّه قبل أن تجيء؟ وباركته. فالبركة تكون له!”

فلما سمع عيسو كلام أبيه، صرخ صرخةً مُرَّةً عظيمةً، موجوعةً حتى الأعماق. وقال لأبيه: “باركني أنا أيضاً يا أبي!”
فقال: “قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك.”
فقال عيسو، وقد أدركه اليأس والغضب: “أليس اسمه يعقوب؟ فقد تعقبني هذه مرتين. أخذ بكوريته، والآن أخذ بركتي!” ثم رفع صوته باكياً: “أما أبقيت لي بركة يا أبي؟”

فتنهد إسحاق تنهيدة طويمة، وكأنه يستجمع آخر ما تبقى من قوته. وأجاب بعبارات ثقيلة كالحجارة: “هأنذا قد جعلته سيداً لك، وجميع إخوته أعطيته له عبيداً. وبالحنطة والخمر دعمته. فماذا أصنع بك أنت يا ابني؟”

لكن عيسو ألحّ في البكاء. فرفع إسحاق صوته مرة أخرى، لكن البركة هذه المرة كانت مختلفة، كانت تحمل نغمة الجفاف والقسوة:

“هوذا، بعيداً عن دسم الأرض يكون مسكنك، وبعيداً عن ندى السماء من فوق. وبسيفك تعيش، وأخوك تخدم. ولكن يكون حينما تجبّ أنك تنزع نيره عن عنقك.”

فخرج عيسو من أمام أبيه، وحمل قلبه حقداً أسود على أخيه. وقال في نفسه: “قربت أيام حداد أبي، فأقتل أخي يعقوب.”

فأبلغت رفقة بكلام عيسو الكبير. فأرسلت واستدعت يعقوب، وقالت له، وعيناها تلمعان بالخوف والحزم: “ها إن أخاك عيسو يعزّي نفسه من جهتك بالقصد أن يقتلك. والآن، اسمع كلامي: قم اهرب إلى خالِي في حاران، وأقم معه أياماً قليلة، حتى يتحول حمق أخيك عنك وينسى ما صنعت به. ثم أرسل وآخذك من هناك.”

وغادر يعقوب خيمة أمه، وخيمة أبيه، تاركاً وراءه رائحة الطعام التي علقت في أرجاء المكان، وحمل معه بركةً مسروقةً، ولعنةً خفيةً، وعداءً سيدوم سنين طويلة. وأما إسحاق، فبقي في خيمته المظلمة، يسمع صوت الريح تعوي في الخارج، كأنها تندب بركةً ضاعت، وعهداً انقطع، وطمأنينة لن تعود إلى البيت أبداً.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *