الكتاب المقدس

عبور وادي زارد

وبعد تلك السنوات الطويلة من التيه، كأنّ الصحراء قد التصقت بأرواحنا كما يلتصق الغبار بالجلد، جاء الصوت الذي غيّر مسار خطواتنا. كنا نسير بلا هدف، وكأنّ الأرض المقدسة قد نسيت طريقنا، حتى تذكّر الربُّ عهده.

كان موسى يقف على تلّة من الحجر الرملي، والشمس تميل نحو الغرب فتصبغ وجهه بلون النحاس القديم. اجتمعنا حوله، ونحن نلملم أطراف ثيابنا البالية من وهج النهار. لم يكن يخطب فينا كقائد جيش، بل كان يتذكر بصوت هادئ، كرجل يقلّب صفحات كتاب قديم عرف كل سطوره.

قال: “كفى لهذا الجبل. حولوا وجوهكم شمالاً”.

لكنّ الطريق شمالاً لم تكن أرضاً بلا سكان. كانت أرض أدوم، أرض بني عيسو. وكان صوت الرب واضحاً كندى الفجر: “لا تُقاوِموهم. لا تَأخذوا من أرضهم شبراً، لأني قد أعطيتهم جبل سعير ميراثاً”. فاشترينا منهم الماء بفضة، والخبز بفضة، ومررنا كغرباء، كأنما نحن ظلٌ عابر على حائط مدينتهم الحصينة. نظر أبناؤهم إلينا من فوق الأسوار، وعيونهم مملوءة حذراً، ونظرنا إليهم ونحن نعلم أن بيننا رحم قديمة، رحم إسحاق وإبراهيم. فكانت خطواتنا سريعة خفيفة، وكأننا نخشى أن تتعثّر أقدامنا فتُغبر تلك الرحم.

ثم جاءت الأرض الثانية: موآب. وهناك أيضاً جاء الأمر نفسه: “لا تُضايقوا موآب، ولا تَدخلوا معهم في حرب”. لقد أعطى الرب أرض عار ميراثاً لبني لوط. فسرنا على حافة أرضهم، وكنا نسمع أصوات مواشيهم من الوادي، ونرى دخان نيرانهم يصعد من المخيّمات، ونحن نعبر بصمت، كأنما نحن رحلة أحلامٍ مرّت بهم ليلاً فلم يدركوا شكلها.

حتى إذا بلغنا وادي زارد، وكان النهار قد أرهقنا، قال موسى بصوته الذي يحمل ثِقل السنوات والأسفار: “هنا، عند هذا النهر، انتهت رحلة الجيل الذي خرج من مصر. ها قد استهلكهم الزمن كما يُستهلك الثوب في الصحراء. والآن، قوموا واعبروا”.

فاجتزنا الوادي، وكأننا نخلع جلداً قديماً. وهناك، في الأرض التي وراء موآب، وجدنا أولئك القوم الجبابرة، أبناء عناق. نظرنا إليهم، وقلوبنا ترتعد من طولتهم، وكأنهم أشجار سنديان غريبة. ولكن الرب قال لموسى: “ها قد بدأت أُسلّم إليك سكان هذه الأرض. ابدأ من هنا. ارفع عينيك وانظر، فقد حان وقت الوعد”.

فرفعنا أعيننا. ورأينا الأرض تمتدّ أمامنا، تلالاً وودياناً، تنتظر خطوات أبنائها. وكان في صدر كل منا شعور غريب، شعور المسافر الذي يرى أخيراً الدخان يتصاعد من موقد بيته بعد سفر طويل. لم تكن فرحة عادية، بل فرحة مختلطة برعدة، كمن يقبض بيديه على وعود الله، فيجدها ثقيلة، وحقيقية، وحارة كالشمس التي تلامس وجهه للمرة الأولى.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *