الكتاب المقدس

حكمة الكون في البرية

كان النهار يميل نحو الغروب، وأنا جالس على تلة من تلال أرض العوص، أتأمل السهل الممتد تحتي. الهواء كان حاملاً عبق التراب بعد مطر خفيف، وضوء الشمس الذهبي الآفل يصبغ كل شيء بمسحة من الوقار. في تلك الساعات الهادئة، حيث يبدو الزمن وكأنه يتنفس ببطء، تعود بي الذاكرة دائماً إلى حديث طويل، قدمه إليّ شيخٌ حكيم ذات مساء، حديث كان كالنقش على حجر القلب.

قال لي ذلك الشيخ، وكان صوته كخرير ماء قديم: “يا بني، أتظن أنك تفهم شيئاً عن تدبير هذا الكون؟ تعالَ معي، ليس بالقدمين، ولكن بالقلب. انظر.”

وكأن عينيَّ فُتحَتَا على مشهدٍ لم أكن أراه من قبل. رأيت الوعل، لا كمجرد حيوان في القصة، ولكن ككائن حي ينبض بالتحدي. رأيته على قمة الصخر، يشق طريقه بين الحجارة المتناثرة كأنها لُعِبَ به منذ الأزل. كان يقفز، لا بخفة الظبي فحسب، بل بعزمٍ غريب. إنه يلد في الخفاء، في أماكن لا تطأها قدم صياد، وكأن الأرض نفسها تتكفل بستر وحشيتها. ثم يذهب، ولا يعود إلى ولده، وكأن قانوناً آخر غير قانون الحنان يسري عليه. لأنه يعلم، في أعماق غريزته، أن القوة التي منحته إياها تلك القفزات، هي نفسها التي ستكفل لولده النجاة.

وانتقلت بي الصورة، كما تنتقل العين بين الجبال، إلى الحمار الوحشي. يا للعجب! تركه الإنسان الحر يعيش في البرية، ولم يستطع أن يروضه، رغم أن صوته في المدينة قد يعلو على كل الضجيج. هو يضحك، إن جاز التعبير، على أسوار المدن. يسكن الجبل المرتفع، مرتعاً له، ويتشمَّخ بكل مرعى أخضر. لا يعبأ بثرثرات البشر ولا بتوبيخاتهم. لأن حريته من نوع آخر، منقوشة في عرقه، مغروسة في قلبه الذي يخفق رغبةً في الفضاء، لا في حظيرة.

ثم جاء صوتُ النعامة، كصدى من أرضٍ مختلفة. أتراها ترفرف بجناحيها، ولكن لا كالصقر ولا كالحمامة. إنها تترك بيضها في التراب، تدفنه في الرمل الحار، وتنسى أنها قد تدوسه بحافرها الثقيل، أو أن وحش البرية قد يسحقه. لماذا؟ لأن الله قد نزع منها الحكمة، ولم يقسم لها فهماً. ولكن، حين تقف على قدميها وتعدو، تضحك على الفرس وعلى فارسه. إن قوتها ليست في الطيران، بل في ذلك العدو المطرد الذي يشق الأرض كالسهم. فيها تناقض عجيب: إهمالٌ للبيض، وقوةٌ تهزُ المنظر.

وتساءلت: من علَّم الصقر أن يحلق؟ من أوحى إليه أن يبسط جناحيه نحو الجنوب؟ هل أنت؟ ومن يأمر العقاب أن يبني عشه في العلو، على صخرة شاهقة، بحيث لا تُقهر؟ هناك يسكن، على القمة، يتربص بالفريسة، وتبحث عيونه الحادة عن الدم. تشرب الصغار الدم، وحيث الجثث، هناك يكون.

وانقلبت في داخلي كأس التساؤل. كل هذه المشاهد، من الوعل الجبلي إلى العقاب الكاسر، تروي حكاية واحدة: حكاية القوة التي لا تُقهر، والحكمة التي لا تُدرك، والحرية التي لا تُستعبَد. هي ليست مجرد حيوانات، بل هي رسل صامتة، كلمات في كتاب الكون المنظور، تتحدث عن صانعها.

تلك القوة الغريبة في الوعل، та свобода المتمردة في الحمار الوحشي، та القوة الساخرة في النعامة، та السيادة الجوية للصقر والعقاب… كلها تهمس بأن هناك يداً رسمت هذه الغرائز، ووضعت هذه القوانين. لا تسأل: “لماذا؟” لأن السؤال نفسه هو اعتراف بالجهل. بل قل: “هكذا هي”. هكذا أرادها الذي أوجدها.

وبينما كانت الشمس تلملم آخر أشعتها خلف الجبال، وأنا على تلك التلة، أدركت أن الحكمة الحقيقية ليست في فك كل الألغاز، بل في السجود أمام من وضعها. الكون لا يجيب على أسئلتنا الصغيرة؛ هو يُعلن عظمة سيده. والصمت الذي يلي هذا الإعلان، هو أول خطوة نحو الفهم الحقيقي.

نهضت من مكاني، وبنفسي رعدة خفيفة. لم أعد أنظر إلى تلك البرية كمشهد جميل فحسب، بل كمذبح عظيم، ترتفع منه تسبيحاً صامتاً لا ينقطع. وكل خطوة على التراب، أصبحت وكأنها سجدة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *