الكتاب المقدس

عاصفة مجد الرب

كان النهار يميل نحو الغروب، والسهل الفسيح أمامي يلبس رداءً من السكون المهيب. كنت واقفاً على تلّة تكشف الأفق من جميع جوانبها، كأنها مذبح طبيعي أعدّ للعبادة. في الأعالي، تجمعت سحبٌ ثقيلة بلون الرصاص، متدرجة من الرمادي الفاتح عند الحواف إلى اللون الداكن القريب من السواد في القلب. لم تكن سحابة عابرة، بل جيشاً متراصاً يزحف بصمت. هواء بارد مفاجئ لامس وجهي، حاملاً معه رائحة الأرض البعيدة، رائحة المطر الذي لم ينزل بعد، ورائحة الخوف الجميل الذي يسبق قدسية اللقاء.

وفجأة، من عمق ذلك الصمت، انشقّ صوت.

لم يكن رعداً عادياً. كان صوتاً كأنه ينبعث من صدر الكون نفسه، صوت مجيد. “أعطوا الرب يا بني الأقوياء، أعطوا الرب مجداً وقوة.” هكذا تذكّرت كلمات المرتّل. كان الصوت ممتداً، عميقاً، يهزّ ليس الأسماع فحسب، بل والنفس والعظام. تبعه صمت قصير، ثقيل، كأن الخليقة كلها حبست أنفاسها.

ثم اندفع صوت الرب على المياه. رأيته قبل أن أسمعه. ريح عاتية هبّت فجأة، جارفة معها غبار السهل وأوراق الشجر اليابسة، صافرة بين الصخور. ثم جاء الصوت: زئيرٌ مهيب يملأ الفضاء، وكأن المحيطات العظيمة في السماء قد انفجرت. كان الرب على المياه الكثيرين، الرب على المياه العظيمة. البرق الخاطف، كسيف من نور، شقّ الظلمة في خطّ متعرج عنيف، يضيء للحظة وجوه السحب المتراكمة من الداخل، فبدت كقلاع من نار. وكلّ ومضة كانت تزيح ستار الظلام عن عالم آخر، عنيف وجميل.

صوت الرب بالقوّة، صوت الرب بالجلال. كان كلّ رعدة تختلف عن سابقتها. مرة يكون كدويّ انهيار جبل، ومرة كصرخة انتصار لانهائية، ومرة أخرى كأنين عميق يحمل في طيّاته نغمة الحزن والعظمة معاً. الأرزّ يتكسّر. نعم، رأيت من بعيد تلك الأشجار العتيقة، شموخ لبنان، تنحني هاماتها الخضراء تحت وطأة الصوت، وكأنها تسجد. أرزّ الرب يتكسّر، ويسرّ به مثل عجل، لبنان وسريون مثل فرْوِ وحشٍ وثّاب.

كانت العاصفة الآن تدور حول التلّة، وكأنها تحيط بها دون أن تمسّها. البرق يخطف الأرض كما يخطف الشرارة الحجر. تزلزلت الصخور تحت قدمي، واهتزّت الأرض من قواعدها. الصحراء، هناك في الجنوب، كانت ترقص في هذا الهيجان. قادش، تلك الأرض البعيدة، كانت تتأرجح كسكرانة أمام بهاء القدير. صوت الرب يزلزل البرية، يزلزل الرب برية قادش.

لكن في ذروة هذا الهياج، في قمّة هذا الرعد الذي يكاد يمزّق السّماع، بدأت ألمس نظاماً. بدأت أسمع لحناً. لم يكن فوضى، بل سيمفونية عظيمة. كلّ صوت، كلّ ومضة، كانت كلمة في ترنيمة قدسية. والأشجار المتكسّرة، والرياح الصارخة، كانت جميعها تردّد: “مجّد!” والبروق ترسم في الظلام اسم “يهوه”.

ثم، كما بدأت فجأة، بدأت تنحسر. لم تتوقف فوراً، بل تدريجياً. وكأن يداً خفية ترفع القوس عن أوتار الكون. صار صوت الرعد أكثر بعداً، وكأنه يتراجع نحو الجبال. البرق صار خافتاً، وميضاً أزرق ضئيلاً في الأفق الغربي. الريح هدأت إلى همسة حنون، تحمل الآن رائحة المطر المنهمر حديثاً، رائحة العشب المغتسل، رائحة الغفران.

والسكون الذي أعقب ذلك كان أكثر روعة من الضجيج نفسه. سكون مشبع بالقوة، سكون الهيكل بعد ترتيل التسبحة. “الرب على الطوفان جلس، بل والرب يجلس ملكاً إلى الدهر.” العاصفة كانت عربونه، وكانت تجليه، والآن هو في مقرّ سلطانه الأزلي.

وفي ذلك السكون، سمعت صوتاً مختلفاً. لم يكن من السماء، بل من الأرض. همهمة خافتة تتصاعد من الوادي. كان شعبه. الناس في الخيام، في البيوت، الذين اختبأوا ورأوا وأدركوا، كانوا يهمهمون بالصلاة. كانوا يردّدون، بخوف ممزوج بالرجاء، الطلبة الختامية: “الرب لقوّته يعلن شعبه، الرب يبارك شعبه بالسلام.”

وقفزت إلى ذهني صورة الهيكل، ليس بناءً من حجر، بل ذلك القلب الخاشع الذي يدرك أن العظمة التي تكسر الأرزّ وتهزّ البرية، هي نفسها التي تمنح السلام. هي القوة التي لا تهلكنا، بل تحيطنا. “يهوه العظمة يلبس.” لقد لبسها في العاصفة، وها هو يلبسها الآن في السكون، في ذلك السلام العميق الذي يملأ الفضاء بعد العاصفة، سلامٌ أقوى من الرعد.

وبينما كانت آخر ألوان الشمس الذهبية تشقّ بين السحب المتناثرة، ملونة المطر الساقط بخيوط من نور، أدركت أن ما رأيته وسمعته لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية. لقد كان صلاة. كانت الأرض كلها، من أرز لبنان إلى برية قادش، تصلّي مزموراً بدون كلمات. وكنت، في تلك اللحظة، مجرد قارئ ضئيل لهذا النص الكوني القديم الجديد، النص الذي يكتبه الرب، مرة بعد مرة، على صفحة السماء وقلب الإنسان.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *