كان البحرُ هائجاً ذلك الصباح.
لم يكن هياجاً عادياً، بل كان ثورةً عميقةً تخرج من أعماق الساحل، كأن شيئاً قد استفزَّ كبرياءه الأزلي. كانت الأمواجُ تتصاعد كجبالٍ زرقاء مائلةٍ إلى الرمادي، ثم تنهار على الصخور بزئيرٍ يملأ الكون. وقف “ياعيل” على حافة المنحدر الصخري، يلفعه رداءٌ صوفيٌ خشن، وقد تبللت أطرافُه برذاذ الملح. كان يراقب، كما يراقب كل صباح، لكن اليوم كان مختلفاً. اليوم كان البحرُ يصرخ.
التفت إلى الخلف، حيث تمتدّ الحقول الخضراء بسلام، ثم إلى الأمام حيث الغضب الأزرق. تساءل في صمت: من يستطيع أن يوقف هذا؟ من يستطيع أن يربط هذه القوة الجامحة؟
عاد بذاكرته إلى جدِّه، الشيخ “أليفاز”، الذي كان يجلس قرب الموقد في ليالي الشتاء الطويلة، وصوته الهادئ الهادر كالنبع العميق: “يا بُني، البحر يصرخ، والأنهار ترفع أصواتها، لكن هناك عرشٌ أقوى. عرشٌ وُضِع قبل أن تُخلق الجبال، وقبل أن تُولد الأرض والربيع.”
كان ياعيل يومها صبياً، لا يفهم تماماً. كان يرى في عيني جدهِ ذلك البحر من السكينة، فيظن أن الرجل يتحدث عن شيء خرافي. لكنه الآن، تحت دويّ الانهيارات المائية، تحت صليل الرعود البعيدة، بدأ يحسّ بمعنى الكلمات. ليست مجرد كلمات، بل حقيقة تتخلل هدير العالم.
انحنى التقط عوداً من شجرة زيتون برية نمت بين الصخور، مثّله بين يديه. هشّ، ضعيف، يمكن للريح أن تحطمه بلحظة. هذا هو الإنسان. ثم رفع عينيه نحو الأفق، حيث تلتقي المياه الغاضبة بالسماء المضطربة. هذا هو العالم بقوته. ولكن بين الاثنين، أخبره قلبه فجأة، يوجد “هو”. لا كصخرةٍ بين الصخور، بل كأساس كل صخرة. لا كقوةٍ بين القوى، بل كمصدر كل قوة.
بدأ المطر يتساقط، خفيفاً في البداية، ثم غزيراً، ممزوجاً برذاذ البحر. لكن ياعيل لم يتحرك. بل بدأ يرى بعينٍ أخرى. رأى في هياج البحر مجرد “رفع الأنهار لأصواتها”. مجرد ضجيج. ورأى خلف هذا الضجيج، لا، فوقه، كياناً يرتدي العظمة، ويلبس القدرة. كأن الهاوية نفسها، بأعماقها السوداء، تعلن هزيمتها القديمة. كأن الأمواج، بقدر ما ترتفع، فهي تقرُّ بسلطانٍ أعلى منها.
كم من مرة، في ليالي الوحدة، حين كانت رياح الشك تعصف في داخله كما تعصف الآن في الطبيعة، ظن أن كل شيء قابل للانهيار. ظن أن الإيمان مجرد فكرة جميلة لا تصمد أمام عواصف الزمن. لكن جده كان يقول: “شهاداتك يا رب صارت جد ثابتة”. ما هي هذه الشهادات؟ أهي ألواح الحجر؟ كتب المزامير؟ لا. إنها الصخور التي تقف أمام الغضب الموجي منذ آلاف السنين. إنها بذور القمح التي تنبت بعد كل فيضان. إنها نفس الإنسان، التي تعود إليه بعد كل يأس وتناجي خالقها. هذه هي الشهادات. ثابتة. لا لأنها قوية في ذاتها، بل لأن الذي قالها هو ثابت.
وسمع، ليس بأذنيه، بل بذلك المكان الهادئ في أعماقه، الترانيم القديمة. ترانيم الهيكل. “ليتزينّ بيتك بالقداسة يا رب إلى أطول الدهور”. بيتُه. ليس هذا البحر، ولا هذه السماء. بل ذلك المكان الذي أعدّه منذ البدء ليكون مسكناً للحضرة. بيتٌ قداسته ليست بمنأى عن العالم، بل هي العمق الحقيقي لكل ما هو مقدس في العالم. قداسةٌ أطول من كل الدهور.
بدأت العاصفة تخبو. لم يكن البحر قد هدأ تماماً، لكن غضبه تحوّل إلى تذمّرٍ عظيم. وانحسرت السحب قليلاً، فانسلّ عمود من نور الشمس الذهبي، فجأة، كسهمٍ من ذهب، ليسقط على رقعة واسعة من المياه المتلاطمة، فحوّلها إلى مرآة ذائبة تنير العالم.
في تلك اللحظة، شعر ياعيل بسلام غريب. ليس السلام الذي يأتي من هدوء الطبيعة، بل السلام الذي يأتي من معرفة أن هناك من هو أعظم. السلام الذي يشبه ذلك العمود النوراني: ينزل من عالٍ، ويلمس الفوضى، فيعطيها معنى وجمالاً.
نزل عن الصخرة، مبتلاً، متعب الجسد، ولكن قلبه كان دافئاً بفهم جديد. عاد باتجاه كوخه الحجري الصغير، والدروب الموحلة تلمع تحت الضوء المتقطع. لقد اختبر شيئاً. لم يرَ وجهاً، ولم يسمع صوتاً، لكنه أحسّ بالعرش. العرش الذي لا تهزه البحار، ولا تغيّره الدهور. عرشٌ من قداسةٍ وحق. وهو، بكل ضعفه كعود الزيتون الهش، كان آمناً. لأن العالم، بكل عظمته وغضبه، يرتكز على ذراعٍ أقوى، ويُدار بحكمةٍ أعمق.
وتمتم بكلمات لم يسمعها أحد، كأنها صلاةٌ أو أنشودة ولدت من رحم العاصفة: “الرب قد ملك. لبس الجلالة. لبس الرب القدرة. فانتطق بها. أيضاً تثبت المسكونة. لا تتزعزع. ثابتٌ هو عرشك منذ الأزل. أنت موجود منذ الأبد.”




