الكتاب المقدس

الجبل الذي لا يتزعزع

كانت قرية “كفْر حاصور” تتكئ على خاصرة الجبل كطفل ينام في حضن أمه. الجبلان العظيمان، جبل الشيخ في الشمال وجبل الجرمق في الغرب، كانا يحفان القرية بحماية صامتة، كحارسَيْن عتيقين لم يغفوَا منذ بدء الخليقة. في تلك القرية، عاش الشيخ نعيم، الذي طعن في السن حتى صار ظله أطول منه.

كان نعيم يجلس كل مساء على مقعد حجري عند مدخل بيته المتواضع، ينظر إلى الجبال المتوجة بثلوج أواخر الربيع، والتي تشبه الشيب على رأس شيخ. كانت عيناه البليدتان، وقد كستها غشاوة السنين، لا تريان التفاصيل القريبة، لكنهما كانتا ترحلان بعيدًا نحو تلك القمم الشامخة. وكان يردد دائمًا لأحفاده، وهم يحكون له همومهم الصغيرة: “من يتكل على الرب، فهو كجبل صهيون الذي لا يتزعزع، بل يثبت إلى الأبد. أترون هذه الجبال؟ هكذا الرب يحوط شعبه، من الآن وإلى الدهر”.

لم تكن كلمات نعيم مجرد حكمة يتيمة. ففي ذات صيف، عندما جفّت الينابيع واشتد القيظ، بدا كأن اللعنة قد نزلت على الوادي. ماتت المواشي، واحترقت الزرع، وبدأ القلق يدبّ في قلوب الناس. تجمّع الشباب اليائسون عند بيت عمدة القرية، تتأجج في عيونهم شرارة التمرد. قال أحدهم بصوت أجش: “لقد هجرنا الله، فلنهجر هذه القرية التي صارت قبرًا. ننزل إلى السهل، حيث ماء وغذاء”.

سمع نعيم بذلك من حفيدته الصغيرة، سارة، التي ركضت إليه وهي تبكي خوفًا من الرحيل. أمسك الشيخ بيدها المرتعشة، وقال لها بهدوء يعيد الهدوء إلى روحها: “إن رحلت العصا عن الظالمين، فلن تستقر أيدينا على حظيرة الخطيئة. الرب صابر، وشعبه يجب أن يصبر”.

لكن الشباب لم يصبروا. في صباح اليوم التالي، بدأوا يجمعون أمتعتهم على ظهور الحمير. وقف نعيم في طريقهم، ليس بعصاه، بل بصمته الثقيل. نظر إليهم نظرة طويلة، ثم أشار بيده المتعرقة نحو الجبل. قال: “انظروا. لقرون وهذه الصخور شاهدة. هل رأيتموها تهتز يومًا؟ هل رأيتم الرياح العاتية تحمل ذرة من ترابها؟ ثباتها ليس لأنها أقوى من الريح، بل لأنها متجذرة في الأعماق. وإيماننا، إن كان جذوره في الرب، فلن تقلعه نوائب الزمن”.

سخر أحدهم، وهو ابن الحداد القوي، وقال: “والجوع يا عم نعيم، أليس من نوائب الزمن؟ الصخور لا تشبع، والإيمان لا يملأ بطونًا خاوية”.

ردّ الشيخ بصوته الخافت الذي اضطرهم إلى الإنصات: “صحيح. لكن العصا التي ستضربكم في السهل، في أرض الغرباء، ستكون أقسى من الجوع. هنا، نحن محوطون. ليس بالجبال وحدها، بل برعاية من خلق الجبال. سقوط الصدّيق، وإن طال، فهو ليس بهلاك. الرب لا يسمح أن تمتد يد الأشرار إلى مصير الصدّيقين، لئلا يمدّ الصدّيقون أيديهم إلى الإثم”.

لم يقتنعوا كلهم. غادرت مجموعة، تحمل معها أحلامًا بالسهول الخضراء. أما من بقي، ومنهم ابنة نعيم وأولادها، فقد انحدروا إلى المغارة القديمة في سفح الجبل، حيث كان لا يزال هناك قليل من الماء يتساقط من الصخر قطرة قطرة، كدموع الأرض. عاشوا على القليل، وعلى صلواتهم التي كانت تصعد في المساء كبخور فقير.

وبعد أسابيع، عاد أولئك الذين رحلوا، منهوكي القوى، يحملون جراحًا وحكايات عن غرباء سلّطوا عليهم الكلاب ونهبوا ما معهم. وجدوا القرية كما تركوها، فقيرة لكنها لم تسلمهم للذل. كان الطعام شحيحًا، لكن الكرامة كانت سليمة.

في المساء، جلس الجميع حول نعيم الذي كان يبدو أصغر سنًا بعينيه اللامعتين. قال وهو ينظر إلى الجبال التي تحمرّ قممها بشفق المغيب: “الرب صالح للذين هم مستقيمو القلوب. لكن الملتوين، الذين يعوجّون في سبُلهم، سيُسلكهم الرب بعمل الأثمة. السلام على إسرائيل، ليس لأنه شعب قوي، بل لأنه شعب اختار أن يثبت في محبة الرب، كما تثبت الجبال حول أورشليم”.

ومضت السنون. ومات نعيم ودُفن في أرض القرية. لكن حكايته، وكلمات المزمور الذي كان ينطق به، صارت جزءًا من حجر تلك الجبال، تهمس بها الرياح لأبناء القرية وأحفادهم، تذكيرًا بأن الحماية الحقيقية ليست في السهول الواسعة، بل في الثبات تحت ظل القدير، كالجبل الذي لا يتزعزع أبدًا.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *