الكتاب المقدس

حكمة الشيخ تحت شجرة التين

في تلك الأيام، عندما كان الغبار يعلو طرقات المدينة مع غروب الشمس، وكانت نسائم المساء تحمل عبير الزيتون والتراب المبلول، جلس الشيخ تحت شجرة تين عتيقة، وجمع حوله الشباب. كانت عيناه العميقتان تشعان بحكمة عرفها الناس عبر السنين. أمسك بلفافة من الجلد عليها كلمات، لكنه لم ينظر إليها. كان قلبه هو مخزون الحكمة.

بدأ يتكلم بصوته الهادئ الذي يخترق الضجيج الخافت للمدينة: “إسمعوا لي، يا أبنائي. احرسوا وصاياي كحارس عينيه، واحفروها على ألواح قلوبكم لا على الحجر فقط.”

راح يصف لهم الطريق الذي يسلكه الجاهل، الشباب الساذج الذي يظن أن الحياة حلوة دائمًا، والذي يتجول عند زوايا البيوت المظلمة، متأخراً، حين يكون النوم غالاً على الأعين الطاهرة. وكان يحذرهم من صورة تتكرر كل ليلة تقريباً.

“تلك المرأة،” قال، وكأنه يرسمها أمام أعينهم، “لا تنتظر في بيتها. ملابسها فاتنة، لكن قلبها محوّل إلى فخ. كلامها عسل، لكن في داخلها مرارة الموت. تترصد عند النوافذ، في الشوارع الخلفية حيث يقل الضوء ويكثر الظل.”

ثم راح يحكي قصة، كما لو كان قد رآها بعينه، عن شاب لم يسمع نصيحة أبيه، ولم يلتفت إلى تأديب أمه. شاب خرج في ساعة متأخرة، قريباً من بيت تلك المرأة، التي كانت ترتدي ثياباً براقة كأنها ملكة، ولكن عينيها كانتا تبحثان عن فريسة.

“وإذا بها تخرج لملاقاته،” استمر الشيخ، “تتمسك به وتقبّله بوقاحة لا خجل فيها. تقول له: ‘لدي طعام شهي، لقد ذبحت حيواني، ومزجت خمري بالبهارات. تعال، لن نمتلئ حباً حتى الصباح.'”

كانت كلماته تنساب مثل نهر، تصف كيف أن الشاب، بضعف إرادته وسذاجة قلبه، انساق وراءها “كالثور يساق إلى الذبح، أو كالطائر يسرع إلى الفخ لا يدري أن حبل حياته مقطوع.”

ثم صمت الشيخ لحظة، والنظر الشارد في عينيه يشي بألم عميق. كل الشباب حوله كانوا مأسورين، أنفاسهم محبوسة.

“في الصباح،” همس، “عندما تنتشر أول خيوط الضوء، يعود ذلك الشاب؟ كلا. بل يُرى جثمانه عند أطراف المدينة، حيث تلقيه كرامته وحياته. بيته أصبح طريقاً إلى الجحيم، ينزل إلى مقاصير الموت.”

رفع الشيخ يده المتجعدة، مؤشراً نحو الطريق المؤدي إلى أبواب المدينة. “لا تملْ قلْبك إلى طرقها، ولا تضلّ في مسالكها. لأن الجرحى الذين أسقطتهم كثر، وقتلاها جمّ غفير. إن طريقها يؤدي إلى الموت، ومسالكها إلى الأموات.”

جلس الشباب في صمت مطبق، وهم يسمعون صرير أغصان التين القديمة فوقهم، وكأن الطبيعة نفسها تشهد على صدق كلماته. لم تكن تلك مجرد قصة تحذير، بل كانت خريطة طريق للنجاة، مرسومة بلغة القلب قبل اللغة. النصيحة كانت واضحة كالشمس: الحكمة هي الرفيقة الحقيقية، وهي التي تحفظك في الليل والنهار. والعواقب، يا أبنائي، لا تأتي بصيحات إنذار، بل تزحف في ثياب المتعة الزائلة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *