الكتاب المقدس

حكمة الخزّاف في ظلّ السلطة

في ذلك الزمن، حين كانت أورشليم تتوشح بهواءٍ ثقيل من حكمةٍ ووحشة، عاش رجلٌ اسمه أليفاز. لم يكن من حكماء البلاط، ولا من كتبة الهيكل المُتألِّقين، بل كان صانع أوعيةٍ من خزف، تعلَّم من الطين كيف يكون الصبر، ومن النار كيف تكون الغِلظة واللِّين.

ذات صباح، بينما كانت أصابعه تغوص في الطين البارد، تذكَّر كلام الحكيم: “حِكْمَةُ الإِنْسَانِ تُنِيرُ وَجْهَهُ، وَشِدَّةُ وَجْهِهِ تُغَيِّرُهُ”. تفكَّر في وجه الحاكم الروماني الذي رآه بالأمس في السوق، وجهٌ صارم كالصخر، يخفي وراءه ماذا؟ ربما خوفًا، أو ربما جهلاً بما قدّرته الأقدار. كانت سلطة ذلك الروماني تملأ المدينة كرائحة الملح في يوم رطب، ظاهرةً ولا تُمسَك.

في تلك الأيام، جاءته أخبار عن صديق قديم، يُدعى ناثان، تمَّ سجنه بأمر الحاكم. تهامس الناس: “لِماذا؟”. لم يُجب أحد. فكر أليفاز في الذهاب، في رفع صوته، لكنه رأى بعين بصيرته ما رآه الحكيم من قبله: “مَشِيئَةُ الْمَلِكِ قَوِيَّةٌ، وَمَنْ يَقُلُّ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ؟”. فلم يذهب محتجًا، بل ذهب حاملاً وعاءً من الماء البارد وخبزًا. عند السجن، رأى الحارس ذا الوجه القاسي، فلم يثر عليه، بل سلَّم عليه بسلام، وابتسم ابتسامة خفيفة. فدهش الحارس، وأذن له بالدخول. كانت تلك حكمة: “قلب الحكيم يعرف وقت الحكم وطريقته”. ليس كل وقتٍ وقت صراخ.

جلست مع ناثان في الظلمة الرطبة. شكا صديقه من الظلم، من غموض الأمر. سأل: “لماذا يعاني البار ويُفلت الطالح؟”. صمت أليفاز طويلاً. نظر من فتحة السجن الضيقة إلى قطعة من السماء. تذكر قول الحكيم: “وَعِنْدَمَا أَتَأَمَّلُ كُلَّ عَمَلِ اللهِ، لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكْتَشِفَ مَا يَجْرِي تَحْتَ الشَّمْسِ. فَالتَّعَبُ يُبْذَلُ لِكَيْ يُبْحَثَ عَنِ الأُمُورِ، وَلَكِنَّهَا تَبْقَى مَخْفِيَّةً عَنِ الإِنْسَانِ، وَإِنْ قَالَ لَهُ الْحَكِيمُ: إِنَّهُ سَيَعْرِفُهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَجِدَهَا”.

قال بصوته الهادئ الخشن كاحتكاك الطين: “انظر، يا ناثان. أنا أصنع من هذا الطين أوعية. أحيانًا يدخل في الطين حصاة صغيرة، لا أراها. وعندما يدخل الإناء الأتون، يتشقَّق من تلك النقطة. أسأل نفسي: لماذا هنا؟ لماذا في أجمل ما صنعت؟ لا أعرف. لكني أتعلم أن أملأ الشقوق بالذهب، فيصبح الوعاء أكثر جمالاً. قد لا نعرف لماذا يأتي الشق، لكننا نعرف كيف نملؤه”.

خرج من السجن عند المغرب. كانت الشمس تغيب خلف جبال يهوذا، وكأنها تذوب في عظمة لا تُدرك. مشى في الأزقة الضيقة، حيث رائحة الزعتر والخشب المحترق تمتزج مع ضحكات أطفال وأصوات جزمات الجنود على الحجارة. رأى رجلاً فاجرًا يُدفَن بمراسمٍ كاملة، ورأى رجلاً صالحًا يُنسَى في زاوية. شعر كأن قلبه يُعصر. الكل يسير نحو مصير واحد: “كُلُّ شَيْءٍ يَحْدُثُ لِلْجَمِيعِ. قَلْبُ بَنِي الْبَشَرِ مُمْتَلِئٌ بِالشَّرِّ، وَالْجُنُونُ فِي قَلْبِهِمْ فِي حَيَاتِهِمْ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَذْهَبُونَ إِلَى الأَمْوَاتِ”.

لكن في تلك اللحظة، بينما وقف على تل يشهد ظلمة تزحف على المدينة كسائل أسود، تذكر كلمة أخيرة من السفر: “وَعَلَى كُلِّ هَذَا رَأَيْتُ أَنَّ الْخَيْرَ هُوَ أَنْ يَفْرَحَ الإِنْسَانُ بِأَعْمَالِهِ، لأَنَّ هَذَا هُوَ نَصِيبُهُ. فَمَنْ يَأْتِيهِ لِيُرِيَهُ مَا سَيَأْتِي بَعْدَهُ؟”. تنهد تنهيدة طويلة. نزل من التل إلى بيته. أضاف مصباحًا زيتيًا. نظر إلى زوجته وهي تعد العشاء، إلى أولاده النائمين. مد يده إلى كتلة الطين التي تنتظره. في بساطة العمل، في دفء البيت، في عطاء الماء للعطشان، في مواساة السجين، هناك شيءٌ يقاوم الوحشة. هناك فرح لا يفسده الغد، لأنه هبة اليوم، من يدٍ أعلى من الشمس، وأعمق من كل أسئلته.

وعلم أن الحكمة ليست في فك كل الألغاز، بل في السير بخشية، وفي صنع الخير بينما النهار نهار. والباقي، هو سرٌّ يختزنه صمتُ الله، الذي أعطى النور للحظة، وأخفى عن أعين البشر الطريق الطويلة التي وراء الغروب.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *