كان الجو في أورشليم ثقيلاً كقطعة صوف مُبللة. لم يكن حر الصيف فقط، بل همُّ السماء الذي نزل إلى الأرض. في السنوات الأخيرة، صار همس السفن الفينيقية القادمة من الموانئ البعيدة يحمل أخباراً مثل صفعات: آشور تتحرك. آشور تبتلع الممالك كما يبتلع الجمل القش في قيظ اليوم. وكانت القلوب تتعلق بأملين: مصر القوية ذات المركبات والخيل، وكوش، تلك المملكة البعيدة وراء مصر، ذات الجيوش الغامضة والثروات الأسطورية.
في زقاق ضيق بين بيوت الحجر، حيث تشبثت رائحة الزعتر والخبز بالجدران، جلس ناثان بن يوآب يصغي إلى حوار الرجال المتشح بالقلق. كان والده، يوآب، يحك لحيته البيضاء وهو يقول: “سيأتون بجيوشهم. ولكن فرعون لن يدعهم. سيرسل جيشاً كالجراد، وسيدوسون على رقاب أولئك الآشوريين المتعجرفين.” وكان ناثان يشعر بثقة كاذبة تملأ صدره، كالفقاعة التي تلمع لحظة ثم تنفجر.
وفي اليوم الذي غيّر كل شيء، لم تكن هناك رعود ولا بروق. كان مجرد يوم عادي، حتى أن نسيم الصباح كان يحمل عبير التين الناضج. سمع ناثان صيحة من أسفل السوق. ليست صيحة خوف، بل ذهول. تجمع الناس كالنحل عند خليته. اندسّ بين الأجساد المتلاحمة حتى رأى.
كان النبي إشعياء واقفاً في الساحة الواسعة قرب باب المدينة. لم يكن واقفاً فحسب، بل كان يسير بخطوات بطيئة وثابتة. والشيء الذي جمد الدم في عروق كل من رآه كان هذا: لم يكن عليه سوى ثوب من الشعر الخشن، أشبه بمسح فقير، وكان حافي القدمين. ولكن هذا لم يكن كل شيء. فقد كان هذا المسح هو كل ما يغطي جسده. كان عارياً تقريباً، ومشياً كهذا لمدة ثلاثة أيام، كما علموا لاحقاً.
لم يكن ذلك منظراً للاستهجان، بل للرعب المقدس. لم يضحك أحد. لم يتهم أحد النبي بالجنون. كان هناك صمت ثقيل، كأن الهواء نفسه قد توقف عن الجريان. كانت عينا إشعياء تنظران إلى أبعد من الحجارة المرصوفة، إلى أفق لا يراه أحد غيره. كانت خطواته تترك أثراً خفيفاً من الغبار على حجارتي الأرض الباردة. كان جسده نحيلاً، يحكي قصة سنوات من الزهد والانتظار، وكانت عاريته تذكيراً مرعباً بمدى هشاشة القوة البشرية.
سُمعَت همسة بين الحشد: “إنها آية.” ولم يحتج أحد إلى تفسير. فالعقل البشري، عندما يرى النبوة تتحول إلى جسد وحركة، يفهم دون كلمات. كان ناثان يشعر كما لو أن قلبه صار حجراً في صدره. نظر إلى وجه والده فرأى اللون قد فر منه، وتحولت ثقته السابقة إلى ذبول.
وبينما كان النبي يدور في الساحة، كأنه يخطو دائرة غير مرئية حول المدينة كلها، بدأ المعنى يتجلى ببطء مؤلم، كالشفق الذي يلي الغروب. هذه العري، هذه الحفاة… ألم يكن هذا ما ينتظر الأسرى؟ ألم تكن هذه هي الهزيمة الكاملة، عندما يسلب المنتصرون من المهزومين كل كرامة، حتى ثيابهم؟
ثم جاءت الكلمات، بعد أيام، كالمطر بعد الجفاف. جاءت كلمات إشعياء تملأ الأروقة وتتسلل إلى بيوت الحجر: “هكذا يسوق ملك آشور سبي مصر وجلاء كوش، الفتيان والشيوخ، عراة وحفاة، وموكبة أردافهم مكشوفة، خزي مصر.” كان الصوت هادئاً، لكنه اخترق الجدران.
تخيل ناثان المشهد: ليست جيوش مصر وكوش المنتصرة هي القادمة. بل سيكونون هم أنفسهم أسرى. أولئك العظماء الذين وضعت عليهم الآمال، سيُساقون في طوابير مهينة، عراة، حفاة، تحت سيف آشور وحارسه القاسي. كانت العورة الجسدية رمزاً للعورة السياسية، للعار الوطني، لانهيار كل تحالف بشري يتكل الإنسان عليه دون الرب.
لم تكن النبوة مجرد تحذير من مصير أعداء. لقد كانت مرآة أُقيمت أمام وجوه رجال أورشليم. كان السؤال غير المُلفوظ يطن في الأذن: “وعليكم، أيها المتكلون على مصر وكوش، ماذا ينتظركم؟ أتظنون أنفسكم أفضل من أولئك الذين تتكلون عليهم؟”
صار ناثان ينظر إلى حذائه الجلدي، إلى ثوبه المصنوع من صوف غنماته. صار كل شيء يبدو هشاً، كقشرة بيضة. ذهب مع والده ذات مساء إلى السطح ليستنشقا هواء الليل. كانت النجوم منتشرة كذرّات رمل فضية. قال يوآب، وصوته أجش من الصمت: “ثلاث سنوات. قال النبي إن الآية ستستمر ثلاث سنوات. كأنها نبوة طويلة الأمد. ليست عن غدٍ أو بعد غد. بل عن مصير محتوم يسير نحونا بخطى ثابتة.”
وفهم ناثان أن الآية لم تكن فقط لأهل أورشليم، بل كانت رسالة للعالم كله. رسالة من رب الجنود أن القوة الأرضية، مهما عظمت، هي ثوب سيرفعه الريح عاجلاً أم آجلاً. وأن الخزي الحقيقي هو أن تُسلب كرامتك لأنك تعلقت بما يزول بدلاً من الذي يدوم.
وفي السنوات التي تلت، كلما سمع ناثان أخباراً عن مبعوثين ذهبوا إلى مصر طلباً للمساعدة، أو عن فضة ذهبت لاستئجار مرتزقة من كوش، كان يرى في مخيلته صورة ذلك الرجل النحيل، الحافي القدمين، الذي سار في ساحة المدينة كأسير قبل أن يأسر أحد. وكانت تلك الصورة أقسى وأصدق من كل خطط القصور وأقوال الدبلوماسيين. لقد كانت كلمة الله صامتة، مجسدة، تسير على قدمين على أرض الواقع، لتذكر الجميع أن النجاة لا تأتي من الجنوب، بل من الأعالي.




