رأى النبي في عين قلبه، فيما كان الغبار يصعد من طريق الشمال، رايات لا تُحصى. لم تكن رايات خلاص، بل رايات دمار. كان الهواء ثقيلاً برائحة المعدن والتراب البلل، كما قبل عاصفة لا رحمة فيها. وكان صوت الرب يأتيه ليس كهدير، بل كهمسة جريحة في أعماق روحه:
“أنطقْ على بابل، وعلى سكان أرض الكلدانيين. إعلانٌ وليس تبشيرًا. إعلانٌ يُسرُّ به قلبٌ واحدٌ فقط، قلبُ من ظُلموا تحت سطوتها.”
جلس إرميا، وكفّاه مرتعدتان على الرقّ المهمَل. كانت الشمس تميل نحو الغرب، تلقي بظلال طويلة تشبه أصابع تتشبث بالأرض. تذكرّ بابل من وصف المسافرين: تلك المدينة الفخمة المتكئة على نهرها العظيم، كجسم مَلَكٍ مترفٍ ومُتعَب. أبراجها التي تخترق السحاب، حدائقها المعلقة كحلم في منتصف الهواء، وضحكاتُ ساستها في الليالي المترفة التي تطفئ أنين الأسرى. كانت كسكرانة في عُربيدتها، تهلل: “أنا هي، وليس بعدي أخرى!”
لكن الرب قال: “ها قد أتى عليها وقت حصادها. إني أهيج عليها أمماً من الشمال، أمماً لا تعرف شفقة، لا تلتفت إلى الوراء. سيكونون كصياصي الجراد التي لا تُرد. سيضعون عليها أقواسهم كصيّادٍ لا يُخطئ هدفه، لأن الرب إله إسرائيل هو الذي يتكلم.”
راح قلم النبي يسطر الكلمات، وحبرها كان كالدمع الأسود. “بابل كانت بمثابة مذخَب ذهبي في يد الرب، جَرَعَ منها جميع الشعوب خمر غضبه، حتى سكرت الأرض. والآن ها هي الكأس تُدار على شفتيها هي.”
وصف كيف أن الأمة التي سبيَتْ شعب الرب ستُسْبى هي. كيف أن جبروتها المنصوب كصنم سيسقط كجذع شجرةٍ أكلتها السوسة من الداخل. سمع إرميا في روعة الرؤيا أصواتًا: أصوات جنود ماداي وعيلام، وقع حوافر خيولهم على سهول شنعار المتربة. رأى الذعر يُمسك بالقصور، والحكّام يهرولون كالفئران المذعورة بين الجدران، والحراس يتركون أبراجهم، لأن روحهم انكسرت. كان عذاب بابل مفاجئًا كالصاعقة، وعميقًا كالبئر المسمومة.
“اهربوا من وسط بابل، يا شعبي المسبي! انجوا بحياتكم! لا تسكتوا على إثمها لئلا تتألموا بضرباتها. لأن هذه هي زمان انتقام الرب، وهو يجازيها حسب عملها.”
كتب هذه الكلمات وكأنه يصرخ في آذان الذين في السبي. كان يشعر بقلوبهم المثقلة باليأس، برغبتهم في الانصهار بين الأمم ونسيان صهيون. فأراد أن يزرع فيهم نار الرجاء. “في تلك الأيام، في ذلك الزمان، يقول الرب، يطلب بنو إسرائيل وبني يهوذا معًا. يسيرون على الطريق ويبكون، يطلبون الرب إلههم. يسألون عن صهيون، ووجوههم نحوها. يقولون: هلموا فلنلتصق بالرب عهدًا أبديًا لا يُنسى.”
كانت النبوة تقلب المشهد رأسًا على عقب. فبعد دينونة المُعذِّب، يأتي دور التماسيح. بعد البكاء على الدمار، يُفتح باب العودة. رأى إرميا قطيعًا، ليس كالقطعان المشتتة التي خرجت من أورشليم، بل كقطيع موحد يقوده راع واحد. “شعبي كان كغنم ضالة، ذهب عنها رعاتها إلى الجبال، وأضلتها عن مسالكها. من أكلها قال: لا إثم علينا. والآن ها أنا أخاصم الذين يخاصمونك، وأخلص غنمك وأردها إلى مرابضها.”
لكن الخلاص، في نبوة إرميا، لم يكن عودة جغرافية فحسب. كان مصالحة. “في تلك الأيام، يقول الرب، يُغفر لإثم إسرائيل ولسخط يهوذا. تُغسل الخطيئة التي لا تُغسل.”
ثم عادت الرؤيا إلى بابل للمشهد الأخير. لم تكن صورة معركة، بل صورة فراغ. “صرت خرابًا يا بابل، جرداء كالصحراء. لا يسكنك إنسان إلى الأبد، ولا يخيم فيها بدوي. تصرخ وحوش القفر وبنات النعاب فيها، وتسكنها بنات الآوى. ويكون زمانها كما زمان سدوم وعمورة، لا تُسكن إلى الدهر.”
سقط القلم من يد النبي. كان الظلام قد خيّم على المكان. سمع عواء ذئب بعيد، فاقشعر بدنه. تذكر كلمات الرب القاضية: “هأنذا عليكِ يا جبل المهلك، يا مدمر الأرض كلها، وأمد يدي عليكِ وأدحرجكِ من الصخور وأجعلكِ جبلاً محترقًا. لا يؤخذ منكِ حجر لزاوية ولا حجر لأساس، بل تكونين خرابًا أبديًا.”
كتب إرميا كل هذا. لم يكن سرده مُصقلاً كقول الحكماء، بل كان مكسوراً، متقطّع الأنفاس أحياناً، حاداً كالصرخة وأحياناً أخرى خافتاً كالنجوى. كانت الكلمات تأتي كما تأتي أمواج البحر: مرة هادرة ومرة متموجة بهدوء. ترك في نصه تناقضات بشريّة: بين الرجاء المؤلم والدمار المرعب، بين صوت الرب الجازم وصوت النبي المرتعش الذي يبلّغه. ووسط كل هذا، بقي الوعد كنجم يتلألأ في سماء الليل الحالك: “شعبي… سأغفر.”




