كان الظلام ينسحب ببطء من أفق تل أبيب، تاركاً خلفه سماءً بلون الرماد المتفتت. جلس حزقيال في فناء بيته المطل على الوادي، وكأن ثقلاً من حجر رحى يضغط على صدره. كانت السكينة التي تسبق الكلام الإلهي مختلفة هذه المرة، ليست كهدوء البحر بل كجفاف الوديان الميتة في قيظ تموز.
تذكر وجوههم: وجه عموني مختال في سوق أورشليم، يصف شعب الرب بأنهم “قطعان بلا راع”. وتذكر ضحكات موآبيين على ضفاف الأردن، وهم يشمئزون من محنة يعقوب. رأى بعين قلبه أدوم، الجار القريب بقلبه البعيد، يفرك يديه فرحاً بخراب أخيه. وسمع في أذن روحه صياح فلستي قديم، صياح انتقام من أيام شمشون.
ثم هبت ريح شرقية حارة، حاملة عبق التراب والملح، فامتلأ المكان بما لا يُرى لكنه يُحس. لم يكن صوتاً، بل كان كصوت أقدام جيش لا يُرى.
*عمون…*
تداخلت الكلمات مع صور في رأسه. رأى رابّة، المدينة القوية، لا كأحجار وطرق، بل ككائن مختال على تلاله. رأى أسوارها العالية، وكبرياء شعبها القائل: “ها قد عادت الأرض لنا، بعد أن طُرد منها المستضعفون”. ولكن الرب أراه ما وراء الكبرياء: رأى النار تبدأ من أبواب القصور، تلتهم الأقمشة المطرزة، الأخشاب المطعمة بالعاج. رأى الخيل تُساق إلى الذبح، والمدينة تصير مرعى للغنم. وهمس في قلبه: “لأنك قلت عن شعبي: هيهات، هيهات! وفرحت بقلبك على كل ما حل بهم، فها أنذا أسلط يدي عليك.”
تحولت الصورة. صار أمامه البحر الميت، مياهه الكثيفة والثقيلة. *موآب…* الأرض التي نظرت إلى شعب الرب نظرة الاحتقار، وقالت: “هوذا بيت يهوذا ككل الأمم!” رأى المدن الموآبية: عار وجوع وقحط. لم تعد الحصون حصوناً، بل هياكل خاوية للريح. سمع صراخ الباعة الذين باعوا البركة بمثقال من فضة، وها هم لا يجدون الآن حتى خبز اليأس ليأكلوه.
ثم جاء دور *أدوم*. يا لأدوم! يا لابن العم الذي يحمل السكين! رأى جبال سعير الحمراء تتلظى بغضب أكثر حمرة. رأى الرجال الذين استغلوا يوم البلية، وقرروا: “ارثوا، ارثوا الأرض الخربة!” وكيف أرسلوا السرايا لتعترض طريق الهاربين، وتسلّمهم للعدو. فجاءت كلمات الرب كالسيف ذي الحدين: “لذلك هكذا قال السيد الرب: بكل فرحي وكل غيظي كلمتك. وبغيرة أنتقم منك، فيعرفون نقمتي حين أجري فيها قضاءً.”
أخيراً، رأى ساحل البحر الكبير. *فلستيون القدماء*، أعداء من رحم التاريخ. شعوب الساحل الذين حملوا في قلوبهم مرارة الهزائم القديمة، ولم ينسوا، بل خزّنوا الحقد جيلاً بعد جيل. “انتقاماً انتقاماً” كان شعار قلوبهم. رأى مدنهم العظيمة: غزة وأشدود وأقلب. رأى بحارتهم وجيوشهم. ولكن الرب أراه: يد قاضٍ ستقضي على “باقي ساحل البحر”. لن يعودوا شعباً يعتد بقوته، بل سيبيدهم الغضب الإلهي “بالنقمة الشديدة”.
ارتعدت يدا حزقيال. كان العرق البارد يتسرب من تحت غطاء رأسه. لم تكن النبوة مجرد كلمات تقال، بل كانت رؤيا تُعاش، وعذاب تُحس به الأحشاء قبل أن تنطق به الشفاه. نظر إلى الوادي الذي بدأت الشمس تلمع على حجاره. الحياة تستمر: امرأة تملأ جرتها من البئر، وصبي يرعى أغنامه. ولكن في داخله، كان يعلم أن السلام ليس سوى الوجه الآخر للدينونة. دينونة لا تأتي من فراغ، بل من قلب مقدس لا يطيق أن تُداس قداسة عهده، ولا أن يُستهزأ بشعبه، حتى في سقطتهم.
نهض، وكأنه يحمل جبالاً من حزن وغضب إلهي. سيمضي إلى الشعب، وسيخبرهم. ليس بفرح، بل بوجع النبي الذي يرى القصاص قبل وقوعه. لأن رب إسرائيل ليس إله قبيلة ضيقة، بل هو ديان الأرض كلها. وعدوه الحقيقي ليس جيشاً غريباً، بل القلب المتكبر، والفرح ببليّة الآخر، والنسيان أن البشر جميعاً تراب ورماد أمام عظمة الذي يقول: “فيعلمون أني أنا الرب”.




