الكتاب المقدس

نوح والفلك: رحلة النجاة

وكانت الأرض في تلك الأيام قد امتلأت بالبشر، وكثر نسْلهم على وجه البسيطة. لكن قلوبهم أخذت تميل، شيئاً فشيء، عن النور الأول، عن ذاك الصوت الخفي الذي كان يهمس في الضمير في فجر الخليقة. لم يعودوا يذكرون. صاروا كالغرباء في بيت أبيهم، يتخبطون في ظلمة صنعوها بأيديهم. كان الشر يسري في الطرقات كالنهر الجارف، وصراخ المظلومين يصعد من المدن والقرى، ليس كصلاة، بل كدمٍ يرتجف تحت الشمس.

كانوا يبنون المدن العظيمة ذات الأبراج، ويتفاخرون بقوة أذرعهم، ويفتنون بحكمة تبدو للناظر كالنحاس اللامع، لكن جوهرها خواء. صارت أفكار قلوبهم تتجه دوماً نحو الشر، كل يوم، في كل حين. كانت أنظارهم لا ترفع إلى السماء إلا ساخرة، وقلوبهم لا تتسع إلا للبغضاء والطمع. حتى أن الأرض نفسها بدت وكأنها تئن تحت أقدامهم، وحوش البرية تفرُّ من وجههم، والطيور تحلق بعيداً كأنما ترفض أن تشاركهم السماء.

وفي خضم هذا الظلام الدامس، كانت هناك بقعة صغيرة من نور. رجل اسمه نوح. لم يكن أعظمهم قوة، ولا أوسعهم ملكاً، لكن قلبه كان مستقيماً. كان يسير مع الله في بساطة عجيبة، كمن يمشي مع صديق قديم في هدوء المساء. بينما كان الآخرون يبنون متاريس الكبرياء، كان هو يحرث أرضه بخشوع، ويسبح خالقَهُ عند بزوغ الفجر. رأى ما حوله، ورأى الشر يعمّ، فكان حزين القلب، لكنه لم ييأس.

فجاءه النداء ذات مساء، بينما كان يراقب السحب تتراكم في الغرب. كان صوتاً ليس بالصوت، وكلمة ليست كالكلمات. فهم نوح أن النعمة الإلهية لم تترك الأرض تماماً، لكنها ستأخذ شكلاً مرهوباً. أخبره الخالق أن دماً بارداً سيسيل في عروق البشرية، وأن فسادهم قد بلغ السماء. قرر أن يمحو كل جسد، لكن في نوح وجد بارزنة.

“اصنع لنفسك فلكاً من خشب السرو”، كانت الوصية. ووضعت له المقاييس: طوله وعلوه وعرضه. ثلاثمائة ذراع، خمسون ذراعاً، وثلاثون. وُصِفت له تفاصيله: مساكن، وحجرات، وسقف، وباب في جنبه. وطلب إليه أن يُقيم فيه مع أهل بيته، وزوجين من كل ذي جسد، ذكراً وأنثى، لاستبقاء الحياة.

فشرع نوح في العمل. منذ ذلك اليوم، تغيرت حياتهم. في حقل قريب من مسكنه، قطع أشجار السرو الضخمة. كانت الفأس تنزل على الخشب، ويعلو صوت النقر في الفضاء، كنبض قلبٍ وحيد في صحراء موحشة. جيرانه وأهل المنطقة يسخرون منه، يمرون وهم يهزؤون: “أين البحر يا نوح حتى تبني سفينة؟ أَلمجنونٌ صار الجدُّ؟”. كان هو لا يجيب إلا بابتسامة حزينة، ويكمل عمله. زوجته وأبناؤه: سام وحام ويافث، ونساؤهم، كلهم كانوا معه، رغم الشكوك التي كانت تعترينهم أحياناً.

لسنوات طوال، استمر البناء. صار الهيكل الضخم يشق الأفق، كجبل من الخشب المُجَفَّف والمُعالَج بالقطران. كانت رائحة القطران الحادة تملأ الأنوف، وتختلط بغبار الأرض. كان نوح ينحت ويربط ويقوّي، وعيناه تشيحان أحياناً نحو السماء، ليس بخوف، بل بانتظار. وفي الليل، كان يجمع عائلته ويذكرهم بوعد الله، ويشرح لهم كيف سيدخلون من ذلك الباب الضيق، وكيف سيحملون معهم بذرة كل حيوان وطائر ودابة.

ثم جاء اليوم الموعود. ظهرت غيوم غريبة في السماء، ليست كأي سحب رآها من قبل، ثقيلة وكأنها من حديد مظلم. وسُمِعَ صوتٌ كهدير بعيد، ليس من الغيوم، بل من أعماق الأرض نفسها. بدأت ينابيع الغمر العظيم تتفتح، وقللُ المياه الخفية تحت الثرى تنشقّ. وفي الوقت نفسه، انفتحت نوافذ السماء. لم يكن مطراً، بل كان شيئاً أشبه بانهيار البحر من العلاء.

جاءت الحيوانات، كما بأمر خفي. أزواجٌ، ذكرٌ وأنثى، في مسير هادئ مذهول. دخلت الفيلة الضخمة ببطء، وتسلقت الفئران الصغيرة. نزلت النسور من علّيها، ودخلت الأفاعي ملساء. كان مشهداً عجيباً يبعث على الرهبة: النظام في قلب الفوضى المقبلة. ثم صعد نوح وعائلته، وآخر من دخل كان نوح نفسه. التفت لحظة نحو العالم الذي تركه، رأى المروج التي أحب، والجبال التي صعدها في صباه. ثم دخل، وأغلق الله الباب من خارجه.

وهناك، في الداخل، في الظلمة التي انقطعت فيها أصوات العالم، سمعوا صوت الماء لأول مرة يصطدم بجوانب الفلك. ارتجّ الخشب، ثم استقر. ابتدأ التيه فوق وجه الغمر، حيث صارت كل اليابسة ذكرى، وحيث كان العدل الإلهي يجري ماؤه، والنعمة وحدها تطفو على خشب مغطى بالقطران.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *