كان الجبل يرتعد. لم يكن رعداً عادياً، بل صوتٌ يهزُّ الأحشاء قبل الأسماع. دخلتْ هُدْبَةُ الصحراء في صمتٍ رهيب، وكأنَّ الشمسَ نفسها كفتْ عن الحرق انتظاراً. وقف موسى هناك، عند حافة الوعر، حيث تلتقي الرمالُ السافية بحجارة الجبل الداكنة. نظرةٌ خلفه تلمح شعباً كالقطيع المرتاع، يتحشرجون في البعد الآمن، وجوهٌ شاحبة تشرئبُّ نحو العلو. كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة أوزونٍ غريبة، ورائحة خشوعٍ خام.
لم ينزل الربُّ في عاصفةٍ عابرة. لقد نزل في حضرة. كان الدخان الكثيف يتصاعد كأنَّ جوفَ الجبل أصبح موقداً لاهباً لهيبُه غيرُ مرئيّ. وميضُ البرق المتواصل كان يضيء ذلك الدخان من داخله، فيتحوّل إلى عمودٍ ضخمٍ من النور القاتم، الرهيب الجمال. وامتزج مع هذا المنظر صوتُ البوق، طويل، متصاعد، مرتعد. كلُّ نَفَسٍ في الوادي حبسه الخوف.
صعد موسى. كانت قدماه تشقان طريقاً لم يعد طريقاً من حجارة، بل من رهبة. هواء الجبل صار كالعسل الغليظ، يصعد في الرئتين ببطء. وصل إلى حيث لا يُرى إلا الظلال المتحركة للنور الآتي من فوق، من داخل السحابة المكثفة. وهناك، لم يكن هناك صوتُ رعدٍ بعد. كان هناك صمتٌ أعمق من كلِّ ضجيج، صمتٌ يستطيع الأذن البشريّة سماعه كأنه نغمةٌ منخفضة تهزُّ الروح.
ثم تكلّم الصمت.
لم تكن كلماتٍ تُسمع بالأذنين. كانت حقائقٌ تُنقَشُ على الوجدان مباشرةً، كأنَّ الناموسَ كتبَ في تلك اللحظة على لوحِ قلبِ موسى قبل أن يُكتَبَ على الحجر.
“أنا الربُّ إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، من بيت العبودية.” انطلقت الكلمة الأولى كتأسيس للكون، ليست أمراً، بل تعريفاً، بل علاقة. صوتٌ عظيمٌ، رحيمٌ، جادّ. تذكّر موسى وهو يسمعُ بقلبه رائحةُ الطين والطوب، صراخُ الأمهات تحت السياط، ثم البحرُ ينشقُّ، والماءُ سورٌ عن اليمين وعن اليسار. كلُّ هذا كان في نغمة ذلك القول. هو الإله الفاعل، المخلِّص، الذي يبدأ كلامه بالتحرير قبل الطلب.
“لا يكن لك آلهة أخرى أمامي.” كانت الجملة واضحةً كالحديد، صارمةً كالفولاذ. لم يكن فيها تفاوض. رسمتْ حدوداً للقلب. أمام هذا النور، أمام هذه الذات القدوسة، لا مساحة لتمثالٍ منحوت، أو فكرةٍ مُتوهَّمة، أو قوةٍ مهما عظُمتْ في الأرض. كلُّ شيءٍ آخرَ يصير ظلاً، طلاءً باهتاً، إذا وقفَ أمام “أمامي”. شعر موسى كأنَّ قلبه يُطهَّرُ بمجرد سماع هذا، وكأن كلَّ ولاءٍ مشتتٍ في حياته يجتمعُ فجأةً في نقطة واحدة.
“لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً…” استمرّ الصوت، يُفصِّل هذا المبدأ. لا صورة، لا شبه، لا شيء مما في السماء أو الأرض أو المياه. لأنَّ محاولة احتواءِ غير المحدود في شكلٍ محدود هي كسرٌ للحقيقة، هي سجنٌ للإله في سجن الخيال البشري. الربُّ روحٌ، لا يُقاسُ، لا يُشَبَّهُ. عرف موسى في تلك اللحظة أنَّ عبادةَ الأصنام ليست خطأً لاهوتياً فحسب، بل هي إهانةٌ للروح، استصغارٌ للمجد الذي كان يحيط به الآن.
“لا تنطق باسم الربِّ إلهك باطلاً…” تحوّل التركيز إلى اللسان. الاسمُ هنا ليس حروفاً تُلفظ، بل هو حُمُولةُ الذات الإلهية، سمعتُها وشخصيّتها. أن تنطقَ به في الحلف الكاذب، أو في السخرية، أو في الطلبات الأنانية، هو كمن يُلقي بجوهرةٍ ثمينة في الوحل. الصوتُ كان يحمل تحذيراً رهيباً: إن الذي لا يُستهانُ به هو الربُّ، ولن يُبرئ من نطق باسمه باطلاً.
“اذكر يوم السبت لتقدّسه…” جاءت الجملة كنَفسٍ عميق بعد الشدّ. ليس فرضاً ثقيلاً، بل هبة. تذكارٌ للخلق، تذكارٌ للتحرير. يومٌ يتوقف فيه الإنسان عن بنّائه الخاص، ليعترفَ بأنَّ البناءَ الحقيقيَّ هو عملُ الله. يومٌ للوجود، لا للإنجاز فقط. تذكّر موسى سيرَهم في البرية، كيف كان الربُّ يُنزِّلُ المنَّ، وكيف كان اليومُ السادسُ يحمل ضعفيْ الحصّة، ضماناً للراحة. كانت الوصية نغمة رحمة في وسط الناموس.
“أكرم أباك وأمّك…” نزل الكلام من سماء العلاقة مع الله إلى أرض العلاقات البشريّة. بدأَ بالأسرة، بالجذر. ليس هذا شعاراً عاطفياً، بل هو حجرُ الأساسِ للمجتمع الذي سيكون مقدساً. أكرمْ، أيِّ اعترفْ بقيمتهما، بسلطانهما، بفضل حياتهما عليك. هنا، عند سفح الجبل الراعد، يربط الربُّ بين مجده وعظمة الأسرة. رأى موسى بعين قلبه وجهَي يوكابد وعمرام، اللذين خاطرَا بحياتهما من أجله.
“لا تقتل.” ثلاث كلمات قصيرة، كضربةِ مطرقة على الضمير. قدسيةُ الحياة، ليس لأنها نادرة، بل لأنها هبةٌ من مصدر الحياة نفسه. كلُّ نفسٍ هي بصمةٌ من نَفَسِ الله. القتلُ ليس جريمةً اجتماعيةً فقط؛ هو تدنيسٌ للمقدّس.
“لا تزنِ.” حارسٌ للعهد الأعمق بين إنسانٍ وإنسان، صورةٌ للعهد بين الله وشعبه. النغمةُ كانت تحمي قدسيةِ السرِّ، قدسيةِ الثقة، قدسيةِ الجسد الذي هو هيكلٌ للروح.
“لا تسرق.” اعترافٌ بملكية الآخر، وبالتالي اعترافٌ بالآخر ذاته. مجتمعُ العهد لا يُبنى على اغتصابٍ أو جشعٍ.
“لا تشهد على قريبك شهادة زور.” حارسُ العدل، حارسُ الكلمة. المجتمعُ الذي يتكلم بالكذب هو بناءٌ من ورقٍ سينهار تحت أول عاصفة. الحقُّ ضروريٌّ كالهواء.
“لا تشتهِ.” هنا توقف الصوتُ عند أعماق القلب، عند المنبع الخفيّ حيث تولد الخطيئة. ليست عن الفعل فقط، بل عن الرغبة التي تُسمِّمُ البئرَ من الداخل. لا تشتهِ بيتَ قريبك، امرأتَه، عبده، أمتَه، ثورَه، حمارَه، ولا شيئاً مما لقريبك. كانت الوصية الأخيرة كختمٍ يغلق كلَّ الثغرات، موجِّهاً الناموسَ إلى الدواخل، إلى حيث يُولدُ الفعلُ في فكر القلب.
ثم صمت.
لكن الصمتَ كان مملوءاً. كان كالرجعِ الذي لا ينتهي. استدار موسى ببطء، كأنه يحمل ثقلاً لا يُرى. النورُ الذي كان يُغشِّي الجبلَ بدأ يتراجع، يتحوّل من أبيضَ ساطعٍ إلى برتقاليٍ غسقيّ، ثم إلى أرجوانيٍّ عميق. صوتُ البوقِ تلاشى، مخلفاً وراءه طنيناً في الأذن الداخلية.
نزل من الجبل. كانت خطواتُه ثقيلةً، ليست من التعب، بل من ثقلِ ما سمع. رأى وجوهَ الشعب من بعيد، لا تزال عيونُهم مذهولةً، أجسادُهم مرتعدة. قالوا له: “كلّمْنا أنت فنسمع، ولا يُكلّمنا الله لئلا نموت.”
فهم موسى. لقد لمسوا حافةَ المجد، وأدركوا هوّةَ القداسة. الناموسُ لم يكن قائمةً مهامّ، بل كان جسراً. جسرٌ من خوفٍ إلى علاقة، من فوضى إلى نظام، من عبوديةٍ مصرَ إلى حريةِ أبناءِ الله. الألوحُ التي سيحملها بعد أيام ستكون من عمل إصبعه، لكن الكلمات التي ستنقش عليها كانت قد نُقشتْ أولاً في صمتِ قلبه هناك، في قمة الجبل، حيث تكلّم الصمتُ، وسمعتِ الأرضُ صوتَ ربّها فارتعدت.




