الكتاب المقدس

حكمة سليمان في الحكم

كانت أورشليم هادئة تحت جنح الليل، إلا من همسات الريح الخفيفة التي كانت تتلمس أطراف القصور كأنها تبحث عن شيء. في غرفته الواسعة، استلقى سليمان على فراشه، لكن النوم تأخر عنه. رائحة البخور الخفيفة ما تزال عالقة في الهواء، تذكره بتلك الساعات التي قضاها عند المقصدرة العالية في جبعون. كان قد عاد منذ أيام، لكن ثقل ما حمل عاد إليه الآن، في صمت الليل.

لم يكن ثقلاً من خوف أو وجل، بل ثقلاً من مسؤولية عرف حجمها. هو الشاب الذي جلس على عرش داود أبيه، والعظمة التي أحاطت به منذ طفولته لم تخفِ عليه حقيقة واحدة: العرش كالنهر العظيم، يبدو للناظر هادئاً وسيحاً، لكن في أعماقه تيارات صعبة وحجارة حادة. كيف يحكم شعباً كثيراً كرمل البحر؟ كيف يفصل بين المظلوم والظالم، وكيف يميز بين الحقيقة والزيف؟ تساؤلات تدور في رأسه كدائرة لا تنتهي.

نام. وفي النوم، رأى نفسه واقفاً في مكان مرتفع، لا هو بالجبل ولا هو بالسطح، وكانت الظلمة حوله كثيفة، ثم بدأ نور يتسرب كزيت في الماء. لم يكن لهذا النور مصدرٌ مرئي، لكنه أضاء كل شيء دون أن يؤذي العينين. ثم سمع صوتاً، لا كالأصوات التي يعرفها، بل كأنه يأتي من كل اتجاه في الوقت نفسه، وكان نديماً رفيقاً.

“سلْ ما أعطيك.”

لم تكن كلمات الصوت كالطلبات التي اعتادها من المرؤوسين والولاة، بل كانت كفرصة لا تتكرر. وبدلاً من أن ينساق وراء أحلام الشباب بالغلبة والقوة، أو كنوز الأرض التي لا تنتهي، وجد كلمات تخرج من أعماقه بصراحة المُدرك لضعفه:

“أنت صنعت مع عبدك داود أبي إحساناً عظيماً، كما سار أمامك بأمانة وبر واستقامة قلب. وقد حفظت له هذا الإحسان العظيم، فجعلت له ابناً جالساً على كرسيه. والآن أيها الرب إلهي، أنت قد ملكت عبدك مكان داود أبي، وأنا صغيرٌ، لا أعلم الخروج والدخول. وعبدك في وسط شعبك الذي اخترته، شعب كثير لا يحصى ولا يعد من الكثرة. فأعْ عبدك قلباً فهيماً، لأحكم شعبك وأميز بين الخير والشر. لأنه من يقدر أن يحكم شعبك هذا الثقيل؟”

سكت الصوت لحظة، وكأن السماء كلها تترقب. ثم جاء الرد، وكانت فيه نبرة رضا كحرارة الشمس الدافئة في الشتاء:

“من أجل أنك سألت هذا، ولم تسأل لنفسك أياماً كثيرة، ولا سألت غنىً، ولا سألت أرواح أعدائك، بل سألت لنفسك فهماً لتسمع الحق، ها قد فعلت بحسب كلامك. ها قد أعطيتك قلباً حكيماً وفهيماً، حتى إنه لم يكن مثلك قبلك، ولا يقوم بعدك مثلك. وأعطيتك أيضاً ما لم تسأله: غنىً وكرامة، حتى إنه لا يكون رجلٌ مثلك في أيامك كلها. وإن سلكت في طريقي، وحفظت فرائضي ووصاياي كما سلك داود أبوك، فإني أطول أيامك.”

انتبه سليمان فوجد الفجر قد أسفر. كان شعوراً غريباً يملأ صدره، ليس فرحاً عادياً، بل طمأنينة عميقة، كأن جذر شجرة ضخمة قد استقر أخيراً في أعماق الأرض.他知道 ما حدث كان أكثر من مجرد حلم.

مرت الأيام وكأن نهر الأردن في جريانه، لا يبطئ ولا يسرع. وذات صباح، بينما كان يجلس للحكم في الدار الكبيرة، أدخلت إليه امرأتان. كانتا في حالٍ يرثى لهما، عيناهما محمرتان من البكاء، وثيابهما في شبه تشوش. تقدمت إحداهما ووجهها يحمل حزناً يختلط بغضب مكبوت:

“يا سيدي، أنا وهذه المرأة نسكن في بيت واحد. ولدت أنا وولدت هي، ولم يكن معنا في البيت أحد سوانا. فمات ابن هذه في الليل، لأنها اضطجعت عليه. فقامت في نصف الليل وأخذت ابني من جانبي، وأخذت جثّة ابنها الميت ووضعته في حضني. فلما قمت في الصباح لأرضع ابني، إذا هو ميت. ولكنني تأملته عند الضوء، فإذا هو ليس ابني الذي ولدته!”

لم تكد تكمِل حتى قاطعتْها المرأة الثانية، وصوتها مرتفعٌ حاد:
“كلا! الولد الحي ابني، والميت ابنكِ!”
وردت الأولى: “الميت ابنكِ، والحي ابني!”
وهكذا استمر الجدال أمام الملك، والشهود ينظرون، ووجوه الحاشية تحمل علامات الحيرة والاشمئزاز. كانت القضية عويصة، لا شهود فيها ولا بينة، فقط كلمة تقابل كلمة، ودموع تقابل دموع.

جلس سليمان صامتاً. نظر إلى الطفل الحي الذي كانت إحدى الخادمات تحمله، ثم نظر إلى المرأتين المتعاركتين. في عيني الأولى رأى يأساً عميقاً ممزوجاً بأملٍ ضئيل، وفي عيني الثانية رأى ضراوة دفاعية لكن في أعماقها شرر خوف. ثم فتح فمه وقال، وكان صوته هادئاً وحاسماً، يملأ رحبة الدار:

“هكذا تقولان: هذا ابني الحي وابْنكِ الميت. وهذه تقول: كلا، بل ابْنكِ الميت وابني الحي.”

توقف قليلاً، وكأنه يستجمع خيطاً رفيعاً من الحق. ثم أمر:
“هاتوا لي سيفاً.”
جاء حاجبه بسيف طويل. أخذه سليمان بيده، ثم نظر إلى المرأتين وقال:
“اقطعوا الولد الحي اثنين، وأعطوا نصفاً للواحدة ونصفاً للأخرى.”

صمت رهيب ساد المكان. ثم انطلقت صرخة مروعة من إحدى المرأتين، وسقطت على الأرض أمام الملك:
“آهِ يا سيدي! أعطوها الولد الحي، ولا تقتلوه!”
بينما قالت الأخرى، وكان صوتها جافاً وقاسياً:
“لا يكون لي ولا لكِ. اقتلوه!”
حينئذ مد سليمان يده وأشار إلى المرأة التي سقطت على الأرض، وصوته يرتجف بنبرة حكمة إلهية:
“أعطوها الولد الحي، ولا تقتلوه. فهي أمه.”

انتشر الخبر في كل أرجاء أرض إسرائيل، من دان إلى بئر سبع. ولم يكونوا يتحدثون فقط عن حكمة الحكم، بل عن طريقة الوصول إليه. كانوا يقولون: “لقد رأينا حكمة الله في داخله.” وأخذوا يخافون منه، لأنهم رأوا أن الحكمة ليست مجرد معرفة بالقوانين، بل هي قدرة على النفاذ إلى أغوار القلوب، كالنور الذي يميز بين الذهب الحقيقي والزائف.

أما سليمان، ففي الليالي التالية، كان غالباً ما يقف في شرفة قصره، ينظر إلى المدينة النائمة تحت ضوء النجوم. يتذكر صوته في الحلم، وصوت المرأتين في الدار، وصرخة الأم الحقيقية. كان يشعر أن الحكمة التي طلبها لم تكن كنزاً يملكه، بل كانت نهراً يجري عبره. وكان يعلم، في صميم قلبه، أن هذا النهر لا ينبع منه.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *