كان الجوّ حارّاً ذلك اليوم في أورشليم، حارّاً وكأن الشمس قرّرت أن تترك ذاكرة من لهيبها على حجارة السور الجديد. كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة الغبار والعرق والصبر. اجتمعوا هناك، في الساحة الواسعة أمام باب الماء، رجال ونساء وأطفال، من كل عشيرة وكل بيت. لم يكن اجتماع عيدٍ أو فرحٍ، بل كان وجوماً قديماً كالصخر يستقرّ على القلوب.
وقف نحميا أمامهم، لكنه لم يكن يقف وحده. شعر وكأن ثقلاً من أيّام آبائهم وأجدادهم يحمله معهم. رفَع صوته، ليس بصوت الخطيب المُفاخر، بل بصوت رجل رأى الخراب وعاين النعمة. بدأ يقرأ من سفر شريعة موسى، كلماتٍ كانت أقدم من ذاك السور، أقدم من كل أحجارهم.
استمرّت القراءة من الفجر وحتى نصف النهار، تحت وهج الشمس. وكان الغريب أن أحداً لم يملأ. كان هناك صمتٌ آخر يتخلّل كلمات الشريعة، صمت آذان تسمع وأرواح تتذكّر. ثم رأيتهم، واحداً تلو الآخر، يرفعون أيديهم إلى السماء، ثم يخرّون على وجوههم إلى الأرض، ويذرون التراب على رؤوسهم. لم تكن حركة مُتّفقة، بل كانت كموج البحر، تبدأ من ههنا ثم تمتدّ إلى هناك. بكى الأطفال من دون أن يعرفوا لماذا يبكون، فقط لأن آباءهم يبكون.
وقَف اللاويون على منصة من خشب، أصواتهم تشقّ ذلك الوجوم الثقيل. وبدأت القصة تُحكى من جديد، قصة لم تكن لهم فقط، بل كانت قصة البحر والنار والظلام والمنّ. قالوا: “أنت هو الرب وحدك، أنت صنعت السماوات وكل جندها، والأرض وكل ما عليها.” وكأنما بالأصوات ترسم جبال حوريب وشاطئ البحر الأحمر من جديد أمام أعين الحاضرين.
ثم جاءت التفاصيل، تفاصيل كحبات الرمل. ذكروا عمود السحاب نهاراً وعمود النار ليلاً، وكيف كان ينزل الكلام على جبل سيناء فيرتجّ الجبل. ذكروا المنّ في البرية، والماء من الصخر. لكنهم لم يذكروها كأعاجيب بعيدة، بل كأحداثٍ لامست جسد أجدادهم، جاعوا فأطعمتهم، عطشوا فسقيتهم. حتى أن رجلاً عجوزاً في الجمع، اسمه حننيا، همس وهو يسمع: “كأنني أتذوق طعم المنّ على لساني الآن، حلوٌ كالعسل البري.”
لكن القصة، كما رواها اللاويون، لم تكن سلسلة أنتصار. كان فيها المنعطفات المُظلمة. “وأجدادنا تكبّروا وصلّبوا رقابهم.” قالها الكاهن بصوت خافت مؤلم، كمن يذكر عثرة قريبة. ذكروا العجل الذهبي في البرية، وتذمّرهم في قادش، ورفضهم لدخول الأرض الطيبة. كانت الذكرى هنا مؤلمة، لأنها لم تكن عن أناس غرباء، بل عن لحم من لحمهم، وعظم من عظمهم.
ثم جاءت أرض الموعد. “فدخلتم واستقررتم.” لكن السرد لم يصبح مُفرحاً. تحوّل إلى قائمة طويلة، قائمة نعم إلهية مُتلاحقة، يقابلها، كصدى مكسور، قائمة أطول من العصيان. “أعطيتهم مُدناً لم يبنوها، وكروماً لم يغرسوها. فشبعوا وسمنوا وانغمسوا في خيراتك.” وكانت العبارة التالية كالسيف: “فعصوا وتمردوا عليك، وطرحوا شريعتك وراء ظهورهم.”
كانت حكاية دورة لا تنتهي: نعمة، ثم نسيان، ثم تأديب، ثم صراخ، ثم خلاص، ثم نعمة من جديد. وكأنما قلب الشعب كقلب الإنسان الواحد، ينسى بسرعة، ويتذكّر متأخراً. كلما ازدادت النعم ازداد الغرور، وكلما حلّ التأديب عادت الصلاة.
وفي ذروة السرد، وصلوا إلى يومهم هذا، إلى هذه الساحة تحت الشمس. “ها نحن اليوم عبيد. والثمر الكثير الذي أعطيتَه لآبائنا يأكله ملوك وُضعتَهم علينا.” الكلمات كانت تخرج ثقيلة، معترفة بالعار دون مواربة. لم يلقوا باللوم على البابليين أو الفرس، بل على أنفسهم. “لم يردّوا عنهم شرّ أعمالهم.” كانت اعترافاً جماعيّاً، كمن يفتح صندوقاً قديماً فيجد فيه غبار خطاياهم جميعاً.
ثم صمتوا. صمت طويل، امتزج فيه صوت شهيق رجل مع حفيف شجرة زيتون بعيدة. كان الاعتراف قد انتهى، لكن البكاء لم يجفّ بعد. ثم، وكأنما نبض واحد يجري في الجميع، بدؤوا يعدّدون النعم من جديد، نعم الحاضر، نعم التي في أيديهم الآن. سور مبنى، وسقوف بيوت، وحصاد كروم. نعمة البقاء، نعمة الذكرى، نعمة الفرصة الأخيرة.
واختتموا بالعهد، عهد مكتوب على ورق، ومختوم بختم رؤسائهم. لكن العهد الحقيقي كان مكتوباً في ذلك الصمت الذي حلّ بعد الكلام، في العيون الجافة التي حدّقت نحو الجبال كأنها تنتظر شيئاً. كان عهداً لا على مستوى القادة والشجعان فقط، بل على مستوى ربة البيت التي تعدّ خبزها، والغلام الذي يرعى غنمه.
انصرف الجمع عند المغيب، وقد امتزج غبار الأرض بدموعهم على وجوههم. لم يكن الفرح قد عاد بعد، لكن ثقل اليأس الكثيف قد تخفّف. كان هناك اعتراف غريب بالذنب، لكن معه شعور غريب آخر: أن ذاكرتهم، مهما كانت مؤلمة، هي دليل على أنهم لم يُنسَوا. أن القصة، مع كل انعطافاتها المظلمة، لم تنتهِ بعد. وأن الشمس التي أحرقت وجوههم ذلك اليوم، هي نفسها التي كانت تسطع على آبائهم في البرية، ترافقهم في رحلتهم الطويلة، المتعثّرة، نحو البيت.




