الكتاب المقدس

حكمة الشيخ نصر تحت الجميز

كانت قرية “عراد” الوادعة تُشبه في هدوءها ظل شجرة تين عتيقة تمتد أغصانها فوق بيوت الطين. في قلبها عاش الشيخ نَصْر، الذي كان أهل القرية يُشبّهون كلماته بالماء البارد للنفس العطشان. لم يكن يتكلم كثيرًا، لكن عندما يتكلم، كانت كلماته تبحث عن الحكمة في قرارات القلوب كمن ينقّب عن الجذور في أرض صخرية.

في صباح يوم حارّ، حيث كانت الشمس تُذيب صبر الحجارة، اشتعل خلاف بين جارين: خالد وزياد. كان السبب بئر ماء تشاركا في حفره، ثم ادعى كلٌ منهما أنه أحق بمائه في وقت القيظ. تصاعد الجدال حتى صار كصراخ الغربان فوق حقل قمح. خالد، في غضبه، أطلق كلمات جارحة كالسهام، فانزوى زياد في بيته مغلقًا بابه، متذكّرًا مقولة الشيخ نَصْر: “الرجل المعتزل يطلب هواه، ويخالف كل حكمة سليمة”. لكن العزلة هنا لم تكن سوى خشب يغذي نار الضغينة.

سمع الشيخ بالخبر، فخرج من بيت متواضع تعلوه أغصان ياسمين برّي. لم يذهب إلى بيت أي منهما مباشرة، بل جلس تحت شجرة الجميز الكبيرة عند مدخل القرية، مكان يُسمّى “ديوان الفقراء”. بدأ يحدّث من حوله عن أمور الحياة، كالعادة. ثم قال بصوته الهادئ الذي يشبه خرير ماء قديم: “الكلام الذي يُطلق قبل الاستماع، هو عار وصَخَبٌ كضجيج إناء مكسور. أما السمع الجيد، فهو كالمصيدة التي تمسك بالحكمة قبل أن تطير”.

انتقلت الكلمات كنسيم خفيف. وصلت إلى أذن زياد من نافذة بيته، ثم إلى خالد عبر صبي كان يلعب قرب البئر. بعد يومين، جاء خالد إلى ديوان الجميز، وجلس بعيدًا، ينظر إلى الأرض. تبعه زياد بعد ساعات. لم يتكلّما. كان الشيخ يروي حكاية عن رجلين ضلا في الصحراء، ووجدان قربة ماء، فتشاجرا عليها حتى انفتحت وسكبت ما فيها، وماتا عطشى. ثم سكت.

بعد صمت طويل، قال خالد: “لكني أحق بالماء، فجدي حفر البئر الأول”. فرد زياد: “لكن يداي وساعداي عمّقاه ونظّفاه”. نظر الشيخ إليهما وقال: “قلب الفهم يطلب المعرفة، لكن فم الجهال ينثر حماقة. قبل أن تُجيبا، أليس من الحكمة أن تسمعا صوت الماء نفسه؟”.

أخذ الرجلان يفكران. ثم اقترح الشيخ أن يذهبا معًا إلى البئر في وقت الفجر، عندما يكون الندى على الحجارة، ويُسمع صوت الماء واضحًا. ذهبوا. هناك، عند حافة البئر، حيث تُسمع أصداء القطرات وهي تسقط في الأعماق، سمعا أكثر من صوت الماء. سمع خالد تنهُّد زياد عندما ذكر أباه المريض الذي يحتاج الماء للدواء. وسمع زياد همس خالد عن ابنته الصغيرة التي تخاف العطش في الليل. قال الشيخ: “الاسم الحسن خير من الغنى الوفير، والرضى خير من الفضّة والذهب. أيهما أثمن: أن يكون لك اسم كريم في القرية كجارٍ محسن، أم أن تملك دلو ماء زائد؟”.

انكسرت جبال الكبرياء بينهما كسحابة صيف. اتفقا على جدول للمياه يكفي بيوتيهما وأقربائهما. لكن القصة لم تنته هنا.

بعد أيام، جاءت إلى القرية امرأة من قرية مجاورة، تدعى سلمى، تبحث عن العدل. كانت أرملة، وقد تنازع أقارب زوجها على أرضها الصغيرة. ذهبت إلى قاضي المنطقة، لكنها سمعت أنه “يميل بوجهه نحو الغني، ويحابي القوي”. فقيل لها: اذهبي إلى قرية عراد، واسألي عن الشيخ نَصْر.

عندما حكت له قصتها، رأى دموعها التي تذكرته بكلمات الحكمة: “دعوى المسكين تستجديه، لكن دعوى الغني تجيب بقسوة”. قرر أن يذهب معها إلى مجلس القاضي، ليس ليتكلم نيابة عنها، بل ليجلس صامتًا في الزاوية كأحد الحاضرين. عندما بدأت الجلسة، حاول أقوى الأقارب، رجل ثرِيّ، أن يلوي كلمات الحق كالحديد الملتهب. كان يتكلم بطلاقة وبصوت عالٍ، “كمن يحفر هاوية لسقوط غيره، ثم يسقط فيها”. تكلم عن الأوراق والمستندات، لكن كلماته كانت كسور الزجاج: لامعة وحادة.

وقف الشيخ نَصْر ببطء، وسأل القاضي إذنًا لسؤال واحد فقط. قال: “سيدي القاضي، قبل أن تحكم، أود أن أسأل: أيهما أثبت في الأرض، شجرة الزيتون المعمرة التي تسقيها الأرملة بيديها كل يوم، أم الورقة التي تحمل ختمًا قديمًا تحركها الرياح من مكان إلى مكان؟”. ساد صمت في المجلس. نظر القاضي إلى المرأة المتواضعة بملابسها البسيطة، ثم إلى الرجل الغني بملابسه الفاخرة، وتذكر أن “القلب الحكيم يُعطي الوزن للضعيف، والأذن الذكية تسمع صوته قبل صوت القوي”. حكم للأرملة بأرضها.

عاد الشيخ نَصْر إلى قريته، وعلم أن الكلمات قد انتشرت. لكنه كان يحذر دائمًا من أن “الكلمات التي تخرج كالعسل قد تخفي سمًّا”. وفي أحد الأيام، جاءه شاب طموح اسمه وليد، يسأله: “كيف أكتسب المجد والحكمة؟”. أجابه الشيخ: “الروح البشرية سراج الرب، يبحث في كل خفايا القلب. لا تطلب المجد لذاته، فالكبرياء يسبق السقوط، والعقل المتكبر يبحث عن حتفه. لكن القلب المتواضع كالجذر في الأرض، لا يُرى لكنه يُطعِم الشجرة كلها”.

عاش الشيخ نَصْر سنوات طويلة، وظلت قرية عراد تذكر أن “الصديق الوفي حصن منيع، والمحبة فيه مَهْرَب”. وكانت كلماته، مثل الأمثال القديمة، لا تعلن عن نفسها بصخب، بل كانت كالمطر الهادئ الذي ينزل في الليل، فيُخصب الأرض في الصباح، دون أن يدري أحد متى جاء.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *