كان الهواء على التلال المحيطة بالسامرة ثقيلاً في ذلك الصيف، حاملاً في ثناياه رائحة التراب الجاف وعبير الأعشاب اليابسة التي تصفر تحت الرياح القادمة من الشرق. كان “أفنح” جالساً على حجر كبير على مشارف حقله، ينظر إلى المدينة في الأسفل، وكأنه يحاول أن يفهم لغزاً عظيماً. لم تكن السامرة مجرد حجارة ومباني؛ كانت فكرة، كانت حلماً تحول إلى كابوس.
في الأيام الماضية، حينما كان صبياً، كان يسمع الكهنة يتكلمون عن عهد. كان الكلام يملأ الهيكل الصغير رنّة خشوع. لكن الآن، الصوت الذي يملأ أزقة المدينة هو صوت صفارة الرياح الحادة، وقرع المطارق على المعدن. الجميع يتكلمون عن “القوة”، عن “التحالفات”. الملك والمحظوظون من حوله يرددون كلمات جديدة: “مصر”، “آشور”. كأنهم يبحثون عن خلاص في أيدي أولئك الذين لا يعرفون الرحمة.
تذكر أفنح كلمات جده العجوز، قبل أن يموت: “البنون يبنون المذابح، ولكنهم يبنونها لأنفسهم، لا للذي أخرجنا من أرض العبودية”. كان يقصد تلك المذابح الصغيرة التي انتشرت في الساحات وعلى التلال، حيث يقدم الناس ذبائحهم. ذبائح من ماذا؟ من خروف أحياناً، ولكن في الغالب، من قلوب فارغة. كانوا يقدمون القرابين، ولكن عيونهم تبحث نحو الشمال، نحو مملكة يهوذا، أو نحو الجنوب، نحو مصر، يطلبون الأمان من أي مكان إلا من المكان الوحيد الذي وعدهم به.
نهض أفنح متثاقلاً، ومشى نحو المدينة. في البوابة، رأى مجموعة من الحرفيين ينصبون تمثالاً جديداً. لم يكن عجلاً من ذهب كتلك التي في بيت إيل، بل كان شيئاً هجيناً، خليطاً من رموز آشورية وكنعانية، محاولة يائسة لاسترضاء كل قوة متخيلة. المعدن كان يلمع تحت الشمس القاسية، لكن اللمعان كان بارداً، ميتاً. سمع أحدهم يقول: “هذا سيجلب لنا الحظ، سيجعل أعداءنا يخافوننا”. شعر أفنح بغصة في حلقه. كيف وصلوا إلى هذا الحال؟ كيف أصبحوا كالقوس المخزول، الذي يطلق السهام عشوائياً فلا تصيب إلا صدورهم هم؟
دخل السوق. الضجيج كان صاخباً. تجار من فينيقيا يعرضون بضائعهم، ومسؤولون بالمَلابس الفاخرة يتحدثون بثقة عن “الاتفاقيات” و”الوعود” التي حصلوا عليها من ملوك بعيدين. الكلام كان حلواً، لكن أفنح رأى في عيون أولئك المسؤولين ذبذبة خفية من الخوف. هم يعرفون. يعرفون أنهم يبنون بيتاً على الرمل. كانوا يزرعون الريح، وكل واحد منهم، في قرارة نفسه، كان يخشى أن يحصد الزوبعة.
عاد إلى بيته عند الغروب. زوجته سلمى كانت تعد الخبز بصمت. نظرت إليه، وعيناها تعكسان نفس السؤال الذي كان يدور في رأسه دون إجابة. “سمعت أنهم سيرسلون هدايا أخرى إلى نينوى”، قالت بهدوء، وكأنها تعلن خبر موت. “ما الفائدة؟” همس أفنح. “أليس هو القائل: ‘قد نسيوا صانعهم’؟ نحن ننسى، ثم نطلب العون ممن يريدون ابتلاعنا”.
في الليل، لم يستطع النوم. خرج إلى السطح. السماء كانت صافية، مرصعة بالنجوم. تذكر المزامير التي كان يرددها داود: “إذا رجع قلبي إلى الوحيد الذي يعرف طريقي”. ولكن هنا، في السامرة، القلب كان منقسماً. كانوا يكتبون وصايا، يضعون شرائع، لكنها كانت كالخطوط على الماء. يأتون أمام المذبح باكين، ولكن دموعهم كانت من أجل محاصيل فاشلة، أو تحالفات انكسرت، لا من أجل قلب منحرف.
وفي صمته، سمع صدى كلمات لم ينطق بها أحد، لكنها كانت ثقيلة في الهواء الليلي، كرائحة دخان بعيد: “زرعوا ريحاً فيحصدون زوبعة”. نظر نحو الشمال، حيث كانت توجد مزارع القمح. لكن ما الذي سيحصدونه؟ سنابل فارغة. لا ساق تقف أمام الريح القادمة. لقد أحبوا أن يخروا، كالتمثال الذي صنعوه بأيديهم، والذي سيسقط عند أول عاصفة.
قبل الفجر، بينما كانت المدينة لا تزال نائمة في سبات وهمي، شعر أفنح بشيء يشبه الرحمة الحزينة. لم تكن رحمة تمنع العقاب، بل كانت رحمة الفهم. فهم أن الدمار قادم، ليس لأن الرب سريع الغضب، بل لأنهم بنوا كل شيء على غير الأساس. لقد وضعوا ثقتهم في عجول، في ملوك بشر، في قطع من المعدن والطين. نسوا أن النجاة ليست في تحصين الأسوار، بل في العودة إلى الذاكرة، إلى الوعد القديم.
عند شروق الشمس، سمع أولى أصوات النحاسين تضرب من جديد. المدينة استيقظت لتعيد تكرار نفس الخطأ. ولكن أفنح، وهو واقف أمام بيته المتواضع، عرف أن الريح التي يزرعونها قد بدأت بالفعل تتحول إلى زوبعة. والشيء الوحيد الذي سيبقى، في النهاية، ليس التماثيل ولا التحالفات، بل كلمة قديمة، صادقة، كانت تنتظرهم مثل الطريق الوحيد إلى البيت.




