الكتاب المقدس

تلميذ يتعلم الخدمة

خرجنا مع المعلم من تلك الأرض المرتفعة حيث كان يحدث الجموع، وكان الهواء لا يزال يحمل برودة الليل، لكن أشعة الصباح الأولى بدأت تلمس حواف الجبال البعيدة. كان يسير أمامنا، صامتاً كما يفعل أحياناً، وصرنا نحن نتحدث فيما بيننا في همس، ليس خوفاً منه، بل لأن الصمت الذي يلفّه يجعل الأصوات العالية تبدو وكأنها تشق شيئاً مقدساً.

كان الحديث يدور حول من سيكون الأعظم بيننا في الملكوت الآتي. ألا تذكرون كيف كانت تساورنا تلك الأفكار حينذاك؟ كنا كالأطفال، نتنافس على نظرة رضا، على مكانة قريبة منه. كنت أسمع بطرس ويوحنا وجميعهم، وكلٌ يقدم حجته، وقلبي يخفق بذات الرغبة. لكنه التفت إلينا فجأة، وكأنه يسمع أفكارنا لا كلماتنا، وسألنا: “عم كنتم تتحدثون في الطريق؟”.

سكتنا جميعاً. كان الخزي يملأ وجوهنا. كيف نعترف بأننا كنا نتنازع على العظمة بينما هو يتكلم دائماً عن خدمة الآخرين؟ فجلس، ودعا الاثني عشر، وصار صوته رخيماً وحازماً: “إن أراد أحد أن يكون أولاً، فليكن آخر الكل، وليكن خادماً للكل”. ثم أخذ طفلاً صغيراً كان يلعب قرب إحدى البيوت الطينية، وأقامه بيننا، واحتضنه بذراعيه. “من قبل أحداً من الأطفال مثل هذا باسمي، فباسمي يقبلني. ومن قبلني، فليس يقبلني أنا، بل الذي أرسلني”.

لم أفهم كلمته كلها حينها، لكني رأيت عيني الطفل تنظر إليه بثقة مطلقة، ورأيت يدي المعلم، القويتين من عمل النجارة، تحيطان به برقة. كانت تلك صورة لم تفارقني.

وفي المساء، بعد أن تعبنا من السفر، جاء إليه يوحنا، متحمساً وكأنه تذكر شيئاً. قال: “يا معلم، رأينا واحداً يخرج شياطين باسمك، فمنعناه لأنه ليس يتبعنا”. نظر إليه يسوع نظرة فيها شيء من التعب، لكنها أيضاً حكمة عميقة. قال: “لا تمنعوه. لأن ليس أحد يصنع قوة باسمي ويستطيع سريعاً أن يقول علي شراً. فمن ليس علينا، فهو معنا”. كان الدرس واضحاً: الملكوت أكبر من حلقاتنا الضيقة، أكبر من جماعتنا الصغيرة. النعمة تعمل حيث تشاء.

لكن الحديث اتجه إلى شيء أخطر فيما بعد. كنا نسير عبر الجليل، وهو لا يريد أن يعلم أحد، لأنه كان يعلم تلاميذه. قال لنا: “إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس، فيقتلونه. وبعد أن يقتل، يقوم في اليوم الثالث”. كانت الكلمات تسقط كالحجارة في قلوبنا. كيف لهذا الذي رأيناه يشفي المرضى، ويقيم الموتى، ويهزم الأرواح النجسة، أن يتكلم عن القتل؟ لم نستطع أن نفهم، وخافنا أن نسأل. كانت الفجوة بين رؤيتنا للملكوت ورؤيته هو، واسعة كوادي ضخم.

وصلنا إلى كفرناحوم، وإذ كنا داخل البيت، سألنا عما كاننا نتجادل فيه في الطريق. سكتنا أيضاً. لكنه جلس، ودعا الأطفال الذين تجمعوا حول الباب، وقال كلمته عن الخدمة مرة أخرى. كان يريد أن يغرسها في أعماقنا.

ثم حدثت القصة التي لا أنساها. جاء رجل، وجهه مشقوق بالهم، يجر ابنه إليه. كان الفتى يرتجف، وعيناه تذهبان في فراغ مخيف. قال الرجل بصوت متهدج: “أحضرته إليك، فيه روح أعماك. حيثما أدركه، يصرعه، فيزبد ويصرّ بأسناه، وييبس. وطلبت من تلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا”.

صمت يسوع لحظة، ثم قال بصوت فيه شيء أشبه بالحزن: “أيها الجيل غير المؤمن! إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟ قدموه إليّ”.

أحضروا الغلام. وفي تلك اللحظة، تلبده الغلام، وخر على الأرض يتمرغ ويزبد. سأل يسوع أباه: “منذ كم من الزمان وهو يصيبه هذا؟”. قال الأب، وكادت الدموع تخنقه: “منذ طفولته. وكثيراً ما ألقاه في النار وفي المياه ليُهلكه. لكن إن كنت تستطيع شيئاً، فتحنن علينا وأعنا”.

هنا جاءت الكلمات التي صارت منارة لي: “إن كنت تستطيع! كل شيء مستطاع للمؤمن”. فصرخ الأب للوقت، ودموعه تسيل: “أؤمن يا سيد. أعن عدم إيماني”.

ورأيتها بعيني. رأيت يسوع ينظر إلى الروح النجس، وينتهره بقوة: “أيها الروح الأصم الأخرس، أنا آمرك: اخرج منه ولا تدخله أيضاً”. صرخ الصبي صرخة مروعة، وخر كأنه ميت، حتى قال كثيرون: “إنه مات”. لكن يسوع أمسك بيده وأنهضه. فقام، وكأن شيئاً لم يكن. سلمه لأبيه، وكان الرجل ينظر إلى ابنه ثم إلى المخلّص، ولا يصدق ما يراه.

ولما دخل البيت، سأله التلاميذ على انفراد: “لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه؟”. قال لهم: “هذا الجنس لا يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم”. كانت كلمته تلمس نقطة الضعف فينا. كنا نعتمد على السلطان الذي منحنا إياه، وننسى مصدر هذا السلطان. ننسى الاتصال الحي بالآب.

استمررنا في الطريق، وهو يكرر حديثه عن التسليم والموت والقيامة. وكنا لا نفهم، ونخاف. كنا مشغولين بأنفسنا، بمجدنا، بمستقبلنا في مملكة أرضية نحلم بها. لم نكن نرى الصليب الذي كان يراه هو بوضوح الشمس.

وفي ختام تلك الرحلة، وقفنا عند حدود الجليل. التفت إلينا وقال: “إن كان أحد يريد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه، ويحمل صليبه، ويتبعني”. كانت كلمات ثقيلة، تحمل رائحة الموت، لكنها أيضاً وعداً بحياة لا نعرفها بعد. كنا ما نزال أطفالاً في الإيمان، نتنازع على المقاعد، ونخاف من المعاناة.

لكنه كان يصنع منا شيئاً جديداً، ببطء، بصبر، وكلماته تلك، من الخدمة، والإيمان، والصلاة، والإنكار، كانت تنسج فينا قلباً مختلفاً. قلباً يبدأ بفهم أن الطريق إلى المجد الحقيقي، لا تمر إلا عبر بوابة ضيقة، بوابة تشبه تلك الذراعين اللتين احتضنتا ذلك الطفل الصغير على سفح الجبل.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *