الكتاب المقدس

فيبي حاملة سلام المسيح

كانت سفينةُ الشحن تُعرْجِلُ خطاها نحو ميناء بوتيولي، والريحُ المالحة تتقاذفُ رذاذَها على وجهِ فيبي. وقفتْ على السَّطْحِ، يداها تشبكان بسفّودٍ خشبيّ، وعيناها تتأمّلان الأفقَ الرماديّ حيث تلوحُ كتلةُ روما شيئاً فشيئاً. في حِضْنِها، تحتَ الثيابِ الصوفية الثقيلة، كان هناك الرَّقّ الجلديّ يحوي كلماتٍ أثقلُ من صخورِ السفينة. كلماتٌ من رجلٍ عرفته في كورنثوس، بولس، كُتِبَتْ بدقّةِ المُعلّم ودفءِ الأخ.

كانت تعرفُ أن المهمّة ليست بتسليم رسالة فحسب. بل كانت بتسليم جزءٍ من قلبِ الرجل إلى أشخاصٍ أحبّهم ولم يَرَهم منذُ سنين، أو لم يَرَهم قط. كانت تحملُ تحيّاتٍ إلى أسماءٍ عديدة: بريسكلاََ وأكيلا، “زميليَّ العاملين في المسيح”، كما وصفهما. تذكّرتْ قصصَهما عن ترحالهما، عن مخاطرِ العملِ في صناعةِ الخيام، وعن كنيسةٍ تُجتمع في بيتهما. كم ستكون وجوههما عندما تقرأان كلماتِ الشكرِ هذه؟

وهناك، في قلبِ الإمبراطوريّة، ستسأل عن أندونيكوس ويونياس، “المُشتهرَيْنِ بين الرُّسل”، واللذين كانا مع المسيح قبل بولس نفسه. تخيّلتْ نظراتِ الحكمةِ في عينيهما، جِراحاتِ الزمنِ والإيمان على وجهِ الأسرة الرسوليّة الأولى.

والسماءُ تَمطرُ رذاذاً خفيفاً، دخلتْ إلى ظلمةِ مُخْزنِ السفينة حيث تُرِكَتْ أمتعَتُها. رسمتْ في ذهنها خريطةَ روما: ستسيرُ في أزقّةِ الحي اليهوديّ، تسألُ عن بيتِ هيروديون، “نَسيبي”، وعن أولئك الذين من بيتِ نارسيسس المُتعبّدين للرب. ستجدُ تريفينا وتريفوسا، المرأتينِ المُجهَدَتينِ في الرَّبّ، وتسلّمُ عليهما بكلّ حرارة. ستسأل عن “روفُس المُختار في الربّ، وأمُّه التي هي أمّي أيضاً”. كم من القصص تخبئها هذه الجملةُ الواحدة؟

لكن الرسالةَ لم تكن تحيّاتٍ فقط. كانت تحذيراً خفيفاً، مُبطّناً بالحبّ. “أُرصُدوا أولئكَ الذين يُحدِثون الشِّقاقَ والعثرات.” ستهمسُ بهذا الكلام لأولئكِ الحكماء مثل فيلولوغس ويوليا، نيريوس وأخته، أوليمباس، وجميعِ القدّيسينِ معهم. ستعرفُ كيف تضعُ الكلماتَ في مكانها، كما تُوضعُ قطعةُ الحريرِ النفيسِ في ثوبٍ فاخر.

لكن قلبَ الرسالةِ الحقيقيّ، كما فهمته فيبي، كان في السطورِ الأخيرة. ذلك الدعاءُ العجيبُ من بولس لإلهِ السلامِ الذي “سَيَسْحَقُ الشيطانَ تحت أرجلكم سَحْقاً”. شعرتْ بقشعريرةٍ تجتاحُها، ليس من بردِ البحر، بل من عظمةِ الوعد. كانت تحملُ هذا الوعدَ معها، كخاتمٍ مختوم، إلى كنيسةٍ تعيشُ في فمِ الأسد.

وأخيراً، وصلتِ السفينةُ إلى المرفأ. صعدتْ فيبي على الرصيفِ الحجريّ، وكانت روما تُدوّي حولها بضجيجِ العرباتِ وصياحِ الباعةِ وثرثرةِ ألف لغة. ضمّتْ الرسالةَ إلى صدرها، وأحسّتْ بثقلِ المهمّةِ وخفّةِ النعمة. كانت، ببساطة، أختاً في كنيسةِ كنخريا، تحملُ كلماتٍ من سجينٍ إلى أحبّائه. لكن في هذا الحملِ، في هذه الشبكةِ الواسعةِ من الأسماءِ والتحيّات، كانت ترى جسَدَ المسيحِ الحي: متشعّباً، مخاطِراً، متنوّعاً كسُوقِ روما نفسه، لكنّه واحدٌ بالروح، مترابطٌ بحبالِ المحبّةِ التي تحاولُ السيفُ القيصريّ قطعَها دونَ جدوى.

سارتْ نحو البوابةِ الجنوبيّة، وشفتاها تتحرّكانُ في صلاةٍ صامتةٍ من أجل أولئك الذين ستلتقيهم، ومن أجل الذي أرسلها. وكانت الشمسُ، التي حجبتها السحبُ طوالَ الرحلة، تشرقُ فجأةً، فتُذَيّبُ الرذاذَ وتُغطّي الحجارةَ القديمةَ بضوءٍ ذهبيّ دافئ. رأتْ في ذلك إشارةً، فأسرعتْ خطاها، حاملةً سلامَ إلهِ السلامِ إلى المدينةِ التي لا تعرفُ السلام.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *